ركن «الإنترنت» – الحلقة الرابعة

من قسم الثورة الرقمية
الأحد 30 نوفمبر 1997|

هذا الحدث هو الأول من نوعه في تاريخ علاقة المسلمين بشبكة الإنترنت، ومن الأحداث النادرة حتى الآن في تاريخ الشبكة عموما.

بدأت القصة الأسبوع الماضي باكتشاف أحد الأشخاص، واسمه عبدالواحد باترسون، لموقع على الإنترنت يحمل تعديا رهيبا على الذات الإلهية وعلى الرسول، محمد صلى الله عليه وسلم، إضافة لتعد بذيء على الإسلام والمسلمين برسالة يلخصها أحد عبارات الموقع «الإسلام تهديد للعالم كله أسوأ بكثير من التصحر، التدمير النووي، أو حتى الإيدز؛ إنه مرض خبيث شيطاني يزحف في أوردة العالم؛ كل شخص لابد أن يدرك الطبيعة المدمرة والشريرة لهذا الدين، والتي تقضي على كل أساسيات البشرية بما فيها قدرتها على التفكير والعمل بناء على ما يمليه العقل؛ المقالات التالية تحلل أوجه مختلفة بما يسمى دين وتخبرك عن الطبيعة الحقيقية للإسلام».

بعض عناوين الصفحات «محمد رجل الملذات وعاشق الأطفال»، وأخرى يعز علي إيلام القارئ بها.

بث هذا الشخص رسالة ملخصة حول الموقع أرسلها على عدد من مجموعات النقاش الخاصة بالمسلمين على الإنترنت الذين تلقفوها وبدأ النقاش حولها وعبارات الانزعاج الشديد بعد زيارة الموقع.

عشرات الشكاوى اتجهت لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية “كاير”، وأضعاف ذلك العدد ذهبت لشركة «جيوسيتيس»، مالكة «الموفر» الذي يحمل هذا الموقع والتي تعطي صفحات مجانية _ يوجد حوالي 900,000 عميل حاليا للشركة _ لأي شخص راغب بغرض تحقيق أهداف إعلانية.

من حسن الحظ أن سياسة «جيوسيتيس»، تمنع الصفحات التي تحث على الكراهية أو العنصرية، مما جعل الشركة تتجاوب مع طلب «كاير»، وتعلن إزالتها للموقع من على «الموفر» الخاص بها، الأمر الذي أسعد كثيرا بالطبع كل جالية «الإنترنت» المسلمة حول العالم من الهند وحتى أمريكا.

إلا أن هذا الحدث بشكله الحالي يعاني من مشكلة حقيقية، فلقد زار الموقع بسبب هذه الرسالة التي تلقاها عشرات الآلاف تحذيرا من الموقع عدد هائل من الناس كان يمكن أن يرشح الصفحة _ في حال عدم إلغائها _ لتكون ضمن الصفحات الأكثر «شعبية» وبالتالي وضعها ضمن مواقع خاصة على الإنترنت تربط الناس بالمواقع الأكثر شعبية وبالتالي لتصبح متاحة أكثر وأكثر للناس، بينما كانت في الحالة الأولى مجهولة لا يعلم عنها أحد من الناس إلا إذا قام صاحب الصفحة بالإعلان عنها وهو أمر مكلف جدا، أو وجدها أحد بالصدفة أثناء البحث على الإنترنت من بين ملايين الصفحات المتنوعة على الشبكة.

ليس هذا فحسب، فإزالة صفحة على الإنترنت مازال حدثا كبيرا حتى الأن، لدرجة أن لاري كينج، أحد أشهر إعلاميي العالم على الإطلاق، استضاف الأسبوع الماضي في برنامجه اليومي على شبكة CNN، صاحبة موقع خصصته لمشاهير القتلة في أمريكا الذين قتلوا عشرات الناس «برغبة القتل غالبا بعد الاغتصاب»، ليتحدثوا عن تجاربهم بعد أن أزيل من شبكة الإنترنت، واستضاف حاكم ولاية «وايومينج» الأمريكية، الذي هدد شبكة «أمريكا أون لاين»، أضخم شركة للإنترنت في العالم، بمقاطعتها من خلال سكان الولاية إن لم تزل الموقع بحجة تضمنه لتفاصيل وأسماء ضحايا في الولاية، وبالفعل أزيل الموقع ولكن ليترك خلفه صدى ضخما.

هذا الاحتكاك المبكر مع شبكة الإنترنت من المسلمين يجب الاهتمام به لسبب بسيط أن هناك آلاف المواقع على الإنترنت التي تهاجم الإسلام بشكل استفزازي عنيف، وإضافة موقع جديد أمر بمنتهى السهولة، ولو تعامل المسلمون مع كل موقع بهذا الشكل لوفروا للصحافة الغربية كل يوم «سلمان رشدي» جديد لتحتفل به وتشهره، وإذا كانت شركة «جيوسيتيس»، شركة صغيرة لا ترغب في خسارة عملائها وتقوم على الإعلان البحت فإن الشركات الأخرى سترفض بالتأكيد إزالة هذه المواقع بحجة حرية الرأي وخاصة أن المحكمة العليا في أمريكا على سبيل المثال منعت الحكومة الأمريكية من حظر المواقع الجنسية على الإنترنت بحجة حرية الرأي.

في النقاش على الإنترنت بين المسلمين حول هذا الموقع، أشار أحدهم لمشكلة أخرى غير مشكلة الشهرة التي يحصل عليها أصحاب هذه المواقع، وهي مشكلة أن هذا الموقع بالذات تضمن شبهات تفصيلية يبدو كاتبها، وكأنه يعرف كل صغيرة وكبيرة في السيرة النبوية وملئها بتفسيرات وصل بها لنتائج شديدة السلبية والتدمير، ورغم أن هذه الشبهات وجدت كتب كثيرة في الرد عليها إلا أن «جالية الإنترنت الإسلامية» أكثرها منتشر في بلاد غير إسلامية ولديهم جهل كبير ونقص في المصادر الإسلامية، مما قد يجعل بعض ضعاف الإيمان يقتنعون بما على هذه المواقع إن لم يتوفر لهم من يرد عليها بتفصيل مشابه ومقنع الأمر الذي لن يقدر عليه في بعض هذه الشبهات إلا العلماء.

لقد اتضح هذا تماما من رسالة لأمريكية مسلمة جديدة تقول إنها فوجئت بأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، تزوج بعائشة، رضي الله عنها، وهي صغيرة “صاحب الموقع ادعى أن عمرها كان 6 سنوات”، وأنه تزوج بأم المؤمنين خديجة، لينعم بمالها، وأنه وزع نساء اليهود على الصحابة، رضوان الله عليهم جميعا، وأنه تزوج زوجة ابنه «بالتبني قبل تحريم التبني» زيد بن حارثة.

للأسف الشديد حتى هذا اليوم لم يستطع أحد على الإنترنت أن يرد على هذه المسلمة الجديدة الجاهلة بأي حجج عقلية تزيد عن القول بأن هؤلاء هم أعداء الإسلام ويريدون تشويه ديننا بالأكاذيب.

أجريت بحثا على الإنترنت على المواقع الإسلامية التي تتناول الرسول، صلى الله عليه وسلم، اخترت 25 موقعا عشوائيا وكانت نتيجة البحث أن 18 موقعا من هذه المواقع كتبت بلغة ومصطلحات لا يفهمها غير المسلم، بما فيها ترجمة كتاب الرحيق المختوم، أحد أشهر كتب السيرة، موقع واحد فقط موجه لغير المسلمين، 7 مواقع يمكن لغير المسلمين فهمها، بينما لا يوجد ولا موقع يدافع ضد الشبه التي يحملها عقل الباحث غير المسلم عن الرسول، صلى الله عليه وسلم.

أجريت هذا البحث لأثبت أن المسلمين الذين وضعوا حتى الآن آلاف المواقع على الإنترنت لم يقدموا في الحقيقة ما يبدو وكأنه الحل الوحيد لمواجهة السيل الجارف على الإنترنت المحارب للإسلام: بناء الصورة الإيجابية الحقيقية عن الإسلام المدعمة بالحجج والمكتوبة بلغة جذابة مقنعة ومفهومة، مع تجاهل تقديم شهرة مجانية للمواقع المهاجمة للإسلام.

صاحب الموقع اسمه ذو الفقار خان، والذي إن كان ماكرا بما يكفي فسيستفيد من هذا الحدث الكثير من الشهرة من خلال الاتصال بالصحافة الغربية، وهو هندوسي، وإن كان اسمه يبدو مسلما، يدافع عن عظمة الهندوسية على الإنترنت، ووضع العديد من الصفحات تدعي أن تاج محل هو معبد هندوسي، وتروي تاريخا مزورا عن هدم المسلمين للمعابد الهندوسية وتحويلها لمساجد، بالإضافة لمداخل لصفحات عديدة _ معظمها هندية _ ضد الإسلام.

أحد الآراء ضمن النقاش أن هناك مواقع على الإنترنت بالمقابل كتبها مسلمون هنود وتتهجم على الهندوس وعقائدهم بألفاظ شديدة البذائة والتحقير، بينما هذا _ حسب المتحدث في شبكة النقاش _ يخالف منهج الرسول، صلى الله عليه وسلم، في تعامله مع غير المسلمين، ويخالف قبل ذلك مفهوم الآية الكريمة «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون»، كما يخالف مفهوم الدعوة الإسلامية.

العالم يشهد في الحقيقة مولد عصر معلوماتي مرعب من نوع جديد ولا بد للمسلمين بطريقة ما بناء استراتيجية مميزة للتعامل مع هذا العصر.

* نُشر في جريدة المسلمون الدولية