النظام السياسي الأمريكي

من قسم سياسة
الأربعاء 25 مارس 1998|

برغم أن قواعد النظام السياسي الأمريكي مؤطرة وواضحة بسبب كونها مبنية على أيدلوجية فكرية مؤصلة، الفكر الديمقراطي، ولارتباطها الدقيق بالقانون الأمريكي، إلا أن هذا النظام من التعقيد بمكان بحيث يصعب على الكثيرين فهم لعبة «صناعة القرار السياسي» في العاصمة الأمريكية واشنطن.

سبب هذا التعقيد يأتي بالدرجة الأولى من كثرة صناع القرار أنفسهم، فبعكس معظم الأنظمة السياسية في العالم والتي يكون فيها للرئيس المجال الأكثر تأثيرا في صناعة القرار، يأتي رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، كائنا من كان، كأحد صناع القرار وقد لا يكون أهمهم في بعض القرارات.

وإذا كان البيت الأبيض الأمريكي، مكونا من الرئيس، وطاقم وزرائه، ومستشاريه، ومدراء العمليات المتخصصين والذين ينتقون عادة على أساس قدراتهم الفردية المميزة وتوافقهم في المنحى الاستراتيجي مع الرئيس الأمريكي عند انتخابه هو أحد أهم المؤسسات المؤثرة في القرار السياسي الأمريكي، إلا أن هناك العديد من المؤسسات الأخرى الرسمية والشعبية شديدة التأثير أىضا.

الكونجرس الأمريكي بجناحيه مجلس الشيوخ ومجلس النواب، واللجان التابعة للكونجرس، ومكاتب المستشارين التابعة له هو أيضا قوة رسمية مؤثرة في القرار الأمريكي على المستوى التشريعي، بينما تأتي المحكمة العليا ووزارة العدل ومكتب المدعي العام الفدرالي وFBI، كفوى مؤثرة أخرى وخاصة على المستوى الداخلي.

بالإضافة لهذه القوى الرسمية هناك العديد من القوى التي تأتي سلطتها من قدرتها على التأثير على الناخب الأمريكي، فهناك بالإضافة للأحزاب السياسية مختلف جماعات الضغط، مثل اللوبي اليهودي، والاتحاد المسيحي، وغيره عشرات من المنظمات المختلفة التي تتفاوت درجات تأثيرها باختلاف نوعية القرار المصنوع، وكذلك المؤسسات الإعلامية الكبرى، وكبرى الاتحادات الاقتصادية والتجارية والصناعية والتي يعتبرها بعض الخبراء السياسيين الأكثر تأثيرا على الإطلاق في صناعة القرار السياسي.

مراكز البحوث والمعلومات المتخصصة وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى وحتى معامل الإنتاج السينمائي لها تأثيرها المتفاوت بحسب القضية وارتباطاتها، وإن كان يمكنك أن ترى من التأثير لمركز أبحاث في قضية ما ما لا يمكن توقعه على الإطلاق في أي دولة أخرى في العالم.

على المستوى الدولي، هناك التأثير الخاص CIA، ولعشرات المؤسسات الشعبية المتخصصة في هذا المجال وعلى رأسها «مجلس العلاقات الخارجية»، والذي أسسه روكفلر، أحد أهم رجال الأعمال اليهود في أمريكا في منتصف هذا القرن، وأعضاء هذا المجلس لهم من التأثير الكبير على السياسة الخارجية لأمريكا، وفي العقود الزمنية الأخيرة، كل وزراء الخارجية الأمريكية كانوا أعضاء في هذا المجلس، وهذا المجلس الذي يرسم أهم ملامح العلاقات الدولية في أمريكا يقع بشكل مباشر تحت سيطرة عدد كبير من الشخصيات اليهودية وإن كان بعض أعضائه ليسوا كذلك، إدوارد سعيد، على سبيل المثال، عضو في المجلس.

كل هذه التركبية الضخمة بالإضافة للشخصيات المؤثرة بحكم ثرائهم وتبرعاتهم للحملات الانتخابية وعدد من القوى الأخرى تصنع القرار الأمريكي بحسب قوة كل منها وتركيزها على قضية معينة وتلائم الاستراتيجيات التي تقترحها مع الجو السياسي العام، ولذا فالكثير من الصراع السياسي موجود على الساحة السياسية الداخلية في أمريكا وإن كان هذا الصراع لا يأخذ في معظم الأحيان طرقا سلبية تدميرية للقوى الأخرى بحكم وجود الإطار القانوني الواضح الذي يحكم علاقة كل هذه القوى ببعضها ولعل هذا ما يميز النظام السياسي الأمريكي.

لذا، فالحديث عن خطة أمريكية لايعني تماما تبني كل هذه القوى للخطة، فربما يتخذ الكونجرس أو أحد لجانه قرارا لا يوافق عليه البيت الأبيض ثم يطبق قرار الكونجرس أو البيت الأبيض في النهاية حسب توازنات كل القوى المذكورة سابقا.

تصحيح هذا الخطأ الشائع في قياس النظام الأمريكي على باقي الأنظمة السياسية في العالم أمر مهم في عدم فهم كل ما ينسب لأمريكا بأنه مشروع تجمع عليه كل الأطراف، بل قد يكون مشروع واحد من هذه الأطراف كلها، وقد ينجح هذا الطرف في إيصال وجهة نظره للمرحلة التنفيذية، وقد لا ينجح، وهذا يحدث في أكثر الأحيان.

* نُشر في جريدة المسلمون الدولية