فخ الفائدة الربوية هو مشكلة أكثر من ستة ملايين مسلم في أمريكا، وهذا الفخ ليس بالسهل الهروب منه عندما نتذكر أن المجتمع الأمريكي مرتبط في كل صغيرة وكبيرة بالقروض والتقسيط بالفائدة.
منذ أن يقف الشاب على أعتاب بوابات الجامعات وحياته عبارة عن سلسلة من الاقتراض ودفع القروض، أقساط الجامعة، شراء السيارة، شراء بيت، شراء أصغر قطعة كهربائية، إعداد مكتب أو عيادة طبية، تأسيس عمل تجاري، السفر للسياحة، وهكذا في كل مرة تجد البنوك ومؤسسات القرض جاهزة للدين، إذ في معظم الأحيان لا يتوقع أحد منك أن تدفع السعر بالكامل، إلا أنه بالمقابل كل دين وفائدته الربوية محددة معه بالطبع.
حوالي 80% من الشركات الأمريكية تعتمد على البيع بالقرض في الأساس، حتى بلغ مجموع القروض في أمريكا عام 1990 مبلغ 120 بليون دولار، وفي عام 1995 بلغ المجموع 134 مليون دولار، والذي يدفع الناس للجوء للقرض ليس فقط لتقسيط السعر ولكن لأن نظام الضرائب الأمريكي يمنح مميزات عالية لمن يدفع أقساطا.
لكن انتشار المعاملات الربوية في الحياة اليومية في المجتمع الأمريكي يمثل مشكلة حقيقية لأبناء الجالية الإسلامية.
أضف إلى ذلك أن أفراد الجالية يمتلكون مدخرات ضخمة لا يستطيعون تنميتها في إطار المؤسسات الاستثمارية الأمريكية بدون الوقوع في مأزق الفائدة.
هذا كان الأساس الذي شجع قيام عدد من المؤسسات الإسلامية الاستثمارية في أمريكا.
سليمان البحيري، رئيس بيت المال الإسلامي بولاية نيوجرسي الأمريكية، يقول أن هناك قانون وحيد في أمريكا يمكن من خلاله تأسيس المشروعات الإسلامية وهو ما يسمى بقانون الاستثمار البنكي، الذي صدر على 4 مراحل من عام 1933 وحتى عام 1984، وبدراسة مواد هذا القانون ومدى تطابقها مع الشريعة الإسلامية نجد أن الشريعة الإسلامية ترفض بعض الخيارات التي فيه،
لكنه بالمقابل لا يرفض هذا القانون أي شكل أو تعامل مطابق للشريعة الإسلامية، وهذا يعني أن بنك مثل بنك فيصل الإسلامي يمكن له أن يعمل في أمريكا بصفته بنكا استثماريا دون أي مشكلات، وشركة «تكافل» للتأمين الإسلامي، يمكنها كذلك أن تعمل مع تعديلات بسيطة للتوافق مع هذا القانون.
والفرق بين «الاستثمار البنكي» و«البنوك»، أنه في الاستثمار البنكي يوجد صناديق استثمارية متعددة ومعينة ويعرف المودع أن يستثمر ماله، أما في البنوك فيقدم المساهم رأس المال دون أن يعرف المشاريع التي يعمل فيها هذا المال.
هذا القانون سمح بتأسيس عدد من المؤسسات الاقتصادية الإسلامية ومنها «بيت المال الإسلامي» الذي تأسس في مارس 1985 واستفاد في ذلك من تجربة المصرف الإسلامي الدولي في الدانمارك، وبدأت المؤسسة، حسب ما يرويه رئيسها سليمان البحيري، برأس مال مليون دولار من خلال حوالي 25 شخصا، وهو مبلغ قليل جدا مقارنة بإمكانيات الجالية المسلمة في أمريكا والتي قد يسكن أحد أفرادها في بيت قيمته أكثر من مليون دولار.
من خدمات بيت المال «صندوق تمويل الإيجارات» والذي يقوم بشراء ما يطلبه الزبون ثم تأجيره له حتى يقوم بدفع كامل المبلغ وفقا لنظام معتمد من اللجان الشرعية، كما يعمل بيت المال في بناء العقارات بحجم أعمال يصل إلى حوالي 25 مليون دولار، بالإضافة لمجال ثالث وهو دعم شركات صغيرة في قطاعات التكنولوجيا الحديثة مملوكة للمسلمين حتى تنمو وتقف على قدميها.
إلا أن البحيري، يضيف أن الطلب على بيت المال لتمويل المشتريات المختلفة مثل المعدات أكثر بكثير من إمكانياته، فإذا كان تلبية الطلب الواحد يستلزم حوالي 50,000 دولار، وحاولت المؤسسة تلبية 10 طلبات فقط لكانت التكلفة حوالي نصف مليون وهذا مبلغ ضخم بالطبع.
ويقول البحيري، أن نمو رأس المال يستلزم ثقة الناس في أمريكا بالمؤسسة التي يريدون الاستثمار من خلالها، وهذه الثقة إلى حد كبير مرتبطة أيضا بثقة المؤسسات الإسلامية في العالم العربي بالمؤسسة نفسها، ويسعي «بيت المال» في المستقبل القريب لإشراك بعض هذه المؤسسات في رأس مال المؤسسة بشراء جزء منها.
أما الاتحاد التجاري لمسلمي أمريكا الشمالية “نايت” بولاية إنديانا الأمريكية، فيعتبر من أشهر المؤسسات العاملة في مجال الاستثمار الإسلامي.
تأسس الاتحاد عام 1971، وتبلغ مجموع أصوله أكثر من 77 مليون دولار أمريكي والتي يتم استثمارها في مشاريع تجارية مختلفة.
وحصلت «نايت»، على شهرتها الأساسية في أمريكا من خلال قيامها بدور الوسيط الضامن لأكثر من 220 مركز إسلامي في أمريكا، فبدلا أن يكون عقد امتلاك المركز الإسلامي في يد أفراد من الجالية المسلمة قد يسيئون التصرف في ملكيات المركز أو استعماله في بذل النفوذ الشخصي تحفظ عقود المراكز الإسلامية لدى «نايت» ولا يتم استخراجها من هناك إلا وفق قواعد معينة يضمن فيها موافقة الجالية المسلمة.
و«نايت» مرتبطة بشكل كامل بالإتحاد الإسلامي لأمريكا الشمالية ISNA.
و قد تأسس من خلال «نايت» شركة «سانا» في بور ريدج بولاية ألينوي، وذلك في مطلع عام 1996، و«سانا» متخصصة في تقديم القروض للأطباء والمحاسبين وغيرهم الذين يريدون تأسيس عياداتهم أو مكاتبهم، بالإضافة لإقراض المؤسسات التجارية الصغيرة والكبيرة والمصانع بعيدا عن الفائدة الربوية على أساس نظام قريب من نظام «التأجير حتى التمليك»، و«سانا» عضو في الاتحاد الأمريكي لبيع الأجهزة بالإقراض.
أما شركة «أمانا» بولاية واشنطن الأمريكية، فتعتبر من أضخم الشركات العاملة في مجال الاستثمار الإسلامي في أمريكا، وحسب رواية نائب رئيس شركة ساتورنا المشرفة على أمانا فيليب، ماك إيلفاين، فقد تأسست الشركة في عام 1984 بمبادرة من د. يعقوب مرزا، ود.بسام عثمان، رئيس «نايت» ورئيس «أمانا» حاليا، وهما من رجال الأعمال المعروفين في الجالية الإسلامية بأمريكا، واللذان أحسا بحاجة الجالية الإسلامية لشركات تعمل وفق الشريعة الإسلامية وعرضا الفكرة على نيكولاس كيسر، رئيس شركة يونيفيد، وبالفعل تم تأسيس «أمانا» تحت إشراف الاتحاد الإسلامي لأمريكا الشمالية ISNA، وشركة “نايت”، على الناحية الشرعية في تعاملات الشركة، وإشراف شركة «ساتورنا كابيتال» من الناحية الاستثمارية، والتي تقوم باختيار الأسهم التي يتم شراؤها بالتشاور مع «نايت»، والتي تحصل علي نسبة 2،0% من الأرباح مقابل ذلك.
معاملات «أمانا» متركزة على الاستثمار في بيع وشراء الأسهم التجارية في حدود القواعد الشرعية، ويتبع أمانا «صندوق الدخل» والذي بدأ عمله في 1986 ويتركز على الاستثمار في بيع وشراء الأسهم، و«صندوق النمو» والذي بدأ عمله عام 1994 ويحصل على أرباحه من نمو الأسهم المالية الطويل الأجل.
«صندوق الدخل» قدم 7.12% أرباحا للمساهمين في الأشهر الستة الأخيرة، وهي نسبة عالية مقارنة بالشركات الأمريكية العادية، شركة خدمات S&B الشهيرة قدمت 8.7% أرباحا من صندوق الدخل، وارتفع بذلك مجموع أملاك الصندوق إلى 2.15 مليون دولار.
بالنسبة لـ«صندوق النمو»، فقد قدم أرباحا 12.9% خلال العام الماضي، وهي في هذه الحالة نسبة منخفضة عن نسبة شركة S&B، والتي قدمت عن «صندوق النمو» نسبة 9.27%.
ويبلغ عدد المساهمين في «أمانا» حوالي 2000 مساهم، 950 منهم مساهمين في «صندوق النمو» والباقون في «صندوق الدخل»، ومن الأساليب التي تتبعها الشركة لجذب الزبائن تقديم عدد من خدماتها المالية مجانا.
المشكلة الأساسية التي تواجهها الشركة، حسب ماك إيلفاين، هي أنه بحذف أسهم الشركات التي تتضمن تعاملاتها التجارية ما هو محرم في الشريعة الإسلامية مثل الكحوليات أو التأمين والقروض المحرمة أوتلك التي تتضمن مخاطرة تجارية عالية لا يبقى إلا حوالي 10% من سوق الأسهم مما يعني الدخول في منافسة عالية جدا في سوق محدود جدا.
ويشير ماك إيلفاين، أن «أمانا» و«نايت» في تعاملاتها مع البنوك الأمريكية تتنازل تماما عن الفائدة في مقابل الحصول على خدمات التحويل والصرف البنكية بدون مقابل.
إلا أن «أمانا» تثير كثير من الجدل في أوساط الجالية المسلمة بأمريكا، ويأتي الجدل بالدرجة الأولى حول الحكم الشرعي لشراء أسهم شركات أمريكية، والتي وإن كانت تعمل في مجالات صناعية مثلا، إلا أنها في تعاملاتها المالية مرتبطة ببنوك ربوية، ويتفاوت الناس بين رافض لهذا وبين متسامح معه ولكل عدته من الفتاوى الشرعية حول هذه القضية.
أيضا يثير النقاش أن طاقم شركة «ساتورنا كابيتال»، الذي يدير استثمارات «أمانا» كله من غير المسلمين، ويثير هذا عند البعض تساؤلات حول مصداقية الشركة.
MSI، من الشركات الرائدة في الاستثمار الإسلامي، حيث تم تأسيسها عام 1985 في لوس أنجلوس كمشروع لـ«الحلقة الإسلامية بأمريكا الشمالية» ICNA، وبدأت الشركة، حسب تصريح نائب الرئيس التنفيذي، جول جويا، بهدف خدمة الجالية المسلمة في أمريكا في تأسيس ما يحفظ أموالهم ويستثمرها من خلال برنامجي المشاركة والمضاربة.
بدأ العمل في مجال بيع السيارات بالتأجير بميزانية 40,000 ألف دولار، لينمو شيئا فشيئا حتى بلغت الميزانية حاليا 7 ملايين دولار، وشمل العمل مجالات مثل إقراض المسلمين لشراء المنازل وتأسيس الأعمال التجارية، وفي عام 1994 انتقلت الشركة من لوس أنجلوس في أقصى الغرب الأمريكي حيث ترتفع تكلفة المعيشة لأقصاها، إلى هيوستون بتكساس والأرخص تكلفة لتقليل النفقات وللتمركز بوسط أمريكا.
تراوحت أرباح الشركة بين 3% إلى 12%، ووصلت أرباح دعم المشاريع التجارية الصغيرة إلى 16% وبلغ عدد المشاريع 11 مشروع من أمثلتها مطعم «بيتزاهت» بواشنطن العاصمة، والذي يقدم الطعام الحلال ولا يقدم الكحوليات، ومحطات بنزين، كما دعمت الشركة شراء 62 منزلا و160 سيارة من خلال أموال 340 مودعا، وتحصل الشركة على 51% من قيمة الأرباح، بينما يحصل المودعون على 49% من الأرباح، ويبلغ الحد الأدنى للإيداع في الشركة 25,000 دولار للشخص.
ويقول جويا، أن المشكلة الأساسية التي تواجه الشركة تتمثل في أن الطلب أعلى من الإمكانيات، وليس هناك ما يكفي من المودعين المسلمين، إلا أنه بحلول عام 1999 يتوقع وصول رأس المال لـ10 ملايين دولار وهو ما يكفي، حسب القانون الأمريكي، لطرح الشركة كأسهم في السوق وحينها سيمكن الحصول على عدد أكبر من المودعين ومن ثم رفع الأرباح حتى تصل لـ10 إلى 11%.
ويشرف على عقود الشركة التجارية من الناحية الشرعية مجموعة من المستشارين الشرعيين منهم د. يوسف القرضاوي، ود. جمال بدوي بكندا، ود. نجاة الله صديقي بجدة، ود. مزمل صديقي، والشيخ أكي عثماني، المستشار بعدد من البنوك الإسلامية.
وتعتبر «مجموعة وسيط للاستثمار» بولاية مشيجان الأمريكية إحدى المؤسسات الحديثة والتي تسثمر أموال المساهمين في مشاريع تجارية متعددة، وتتميز ببرنامجها للمرابحة قصير الأجل، وتشترط المجموعة استثمار 2000 دولار أمريكي كحد أدنى للمشاركة في برنامج المرابحة.
ويشير سليمان البحيري، رئيس بيت المال الإسلامي، أن المسلمين استفادوا من تجربة اليهود الأرذثوكس في أمريكا والذين يرفضون الفوائد أيضا.
فالبنوك الأمريكية تمول شراء المنازل من خلال دفع 90% من سعر المنزل من ودائع الناس، ويدفع المشتري 10% ثم يقسط له المبلغ على 30 سنة، والقانون الأمريكي يعطي للذين يدفعون أقساطا بفوائد على منازلهم خصما بقيمة هذه الفوائد من الضرائب السنوية، ولأن اليهود الأرذثوكس لا يدفعون فوائدا بل أرباحا للبنك، بصيغة قريبة مما يحدث بالنسبة للمسلمين، فقد صدر قانون عام 1948 يعطي هذه الأرباح الميزات القانونية للفوائد مما يعني خصمها من الضرائب أيضا، وقد استفادت المؤسسات الإسلامية من هذا القانون وسيكون مفيدا لأي بنك إسلامي يتأسس في المنطقة.
طريق المؤسسات الإسلامية في الغرب يمر بالعالم العربي
يبدو لنا من خلال هذا الاستعراض السريع لإمكانيات مؤسسات الاستثمار الإسلامي أنه بالرغم من ضخامة المشكلة التي يعانيها المسلمون في أمريكا وارتفاع دخولهم في المقابل إلا أن الأمر المحير أن هذه المؤسسات مازالت في بداية الطريق، فلماذا؟
يشرح سليمان البحيري، رئيس بيت المال الإسلامي عددا من التفاصيل المهمة التي توضح هذه الظاهرة، يقول:
الأرقام المتداولة بين الناس تشير أن عدد المسلمين المواطنين في أمريكا يبلغ ما بين 5 إلى 10 ملايين، ورغم أن أحلام العودة كانت كبيرة لدى كثير من هؤلاء في البداية إلا أن هذا الحلم يتبدد عادة في الجيل الثاني ويصبح استمرار بقاء هؤلاء المسلمين في أمريكا أكيد مع استمرار الظروف التي دفعتهم لهذه الهجرة.
بالمقابل، فالوعي الإسلامي العام لدى هؤلاء بمافيها وعيهم بالقضايا الإسلامية الاقتصادية ومقاومتهم للذوبان في المجتمع الأمريكي في نمو مستمر، إلا أن الحق أن هذا العدد الكبير لا يمثل «جالية» بمفهوم الجالية، بل هم 10 ملايين تائهين في قارة ضخمة ليبقى كل عدد قليل منهم في مدينة أو قرية بروابط ضعيفة جدا، وفي هذه الحالة فهؤلاء حتى يصبحوا جالية في مفهوم علم الاجتماع لابد أن تكون لهم مؤسسات اجتماعية واقتصادية وسياسية وإعلامية تخدمهم وتوحد بينهم، وهذه المؤسسات موجودة ومعظمها غير مستقر بعد، إلا أنها مع تنامي الشعور بالاستقرار لدى المسلمين في أمريكا، ومع تزايد عدد المسلمين من الأمريكيين الأصليين فهي تميل للاستقرار يوما بعد يوم.
ويضيف البحيري، بأنه بالرغم من الإتاحة القانونية لقيام مؤسسات اقتصادية إسلامية، وبالرغم أن المسلمين في أمريكا يمثلون أعلى النسب في مستوى التعليم في العالم الإسلامي، وأعلى نسبة دخول مادية ولديهم مدخرات تفوق مدخرات بيت التمويل الكويتي، إلا أنهم في الحقيقة مازالوا في البداية في تنظيم قضاياهم الاقتصادية، ولذلك فإن تمويل مدرسة إسلامية مثلا مازال مشكلة صعبة بالرغم من أن دخل الجالية في المدينة نفسها قد يتجاوز 10 ملايين دولار، وذلك لأننا حتى الآن لم نصل للآلية التي تمول هذه الأساسات.
أيضا؛ لأن المسلمين متبعثرين وليس بينهم روابط قوية فإن أي مؤسسة اقتصادية إسلامية حتى تنجح يلزمها الحصول على ثقة الناس والتي لن تأتي إلا بتعرفهم على القائمين على المؤسسة شخصيا، وهذا في الأصل صعب جدا.
وربما كان نجاح تجربة البنك الإسلامي في الدانمارك والذي كان مرتبطا برأس المال في المنطقة الإسلامية والعربية مؤشرا للكيفية التي يجب أن تعمل من خلالها المؤسسات الاستثمارية الإسلامية في أمريكا.
وهذا مثلا ما دفع «بيت المال» للسعى للارتباط بالمؤسسات الإسلامية في العالم العربي، وبالفعل فقد نجحت المؤسسة خلال السنوات الخمس الماضية في عقد اتفاقيات مع «دلة البركة»، وبنك قطر الإسلامي، وبنك التمويل الكويتي، ويفترض أن مثل هذا الاعتماد سيساهم في المزيد من ثقة الناس، وبالتالي رفع رأس مال المؤسسة.
إلا قلة الثقة هذه هي التي تجعل الأمور تسير بشكل عكسي في أمريكا.
يقول سليمان البحيري، أن وضع الجالية في أمريكا يجعلك تحتاج أن تقدم الخدمة للناس حتى يقتنعوا بوجودك، ولذا فنحن نسعى أن نسد حاجات الناس ونقرضهم، ونقدم لهم نفس مستوى الخدمة والكفاءة المتوافر في البنوك الأمريكية، وبذلك يمكن أن نكسب ثقتهم مع الأيام. ولذا فالمسألة مسألة وقت في نظري، حيث مع زيادة الثقة يزيد رأس المال وبالتالي يمكن تلبية تزايد الطلب وهكذا.
ويلاحظ هنا أن المسلمين بينما اهتموا بتأسيس المساجد والمدارس الإسلامية والمؤسسات السياسية فإن المؤسسات الاقتصادية لم تنل حتى الآن مثل هذا الاهتمام لشعور كثير من الناس في الفترات الأولى من استقرارهم في أمريكا أن وجودهم فيها مؤقت، ولقدرة الناس عموما على إدارة أموالها بنفسها في حال عدم وجود مؤسسة قوية تقنعهم باستثمار أموالهم من خلالها.
ويشير جول جويا، لجانب آخر من المشكلة، حيث يذكر أن ICNA، ومعهد التعليم العالي الإسلامي، أجروا إحصائية على مسلمي أمريكا ظهر من خلالها أن 5% من كل المسلمين في أمريكا يحضرون صلاة الجمعة، و5.2% يحضرون من صلاة إلى صلاتين يوميا في المسجد، و1% حساسين لموضوع الفوائد البنكية.
ويقول جويا، أن الإحصائية ربما أعطت هذه النسب المنخفضة لأنها تركزت في مدن أمريكية كبرى والتي يختلف الحال فيها عن المدن الصغيرة حيث الجالية الإسلامية أكثر ترابطا.
إلا أن البحيري، يشكك في مدى دقة هذه الإحصائية التي لا يمكن أن تكون إلا محدودة، لأن الإحصائيات الواسعة مكلفة، ولأنه باستعراض بسيط لعدد المراكز الإسلامية والمدارس الإسلامية في أمريكا وإعطاء كل مركز ميزانية افتراضية حوالي 50 ألف دولار، وقدرت ميزانيات المدارس التي تصل في كثير من الأحيان لمليون دولار لعرف أن هذه الميزانيات الضخمة لا يمكن أن تأتي من تبرعات نسبة بسيطة كهذه من الجالية المسلمة.
«البنوك الإسلامية» تلفت أنظار الغرب
استطاعت تجربة الاقتصاد الإسلامي أن تلفت نظر العديد من البنوك المركزية الدولية والمؤسسات الاقتصادية العالمية فضلا عن الجامعات الغربية والتي قامت باجراء العديد من الدراسات حول واقع المؤسسات الإسلامية والأصول النظرية لها، ودفعت مثل هذه الدراسات عدد من البنوك العالمية لفتح فروع لها تعمل وفق النظام الإسلامي، من أشهرها «سيتي بنك» بنيويورك، والذي افتتح «بنك سيتي الاستثماري الإسلامي في البحرين» بهدف استقطاب رؤوس الأموال الإسلامية، و كذلك «فيرست بنك»، والذي افتتح فرعه هذا الشهر.
حسب تعليق سليمان البحيري، رئيس بيت المال الإسلامي، أن فهذه البنوك فوجئت بنمو البنوك الإسلامية السريع والضخم، ففي احصائية لجريدة «فينانشيال تايمز» في أكتوبر عام 1990 كان حجم أعمال كل البنوك في الشرق الأوسط حوالي 200 مليار دولار، 17 مليار منها للبنوك الإسلامية، بينما تقول آخر الإحصائيات الآن أن حجم أعمال البنوك الإسلامية في العالم يتراوح بين 100 إلى 160 مليار دولار.
وهذا التطور، حسب البحيري، طبيعي لأن المسلم حين يفتح له الباب الحلال لن يتردد في السعي إليه، وهذه الظاهرة تعم أجزاء من العالم الإسلامي وستمتد لتعم المسلمين في كل أنحاء العالم.
وقد أقيم الشهر الماضي في هذا السياق مؤتمر ضخم بجامعة هارفارد استمر ليوم كامل حول «المالية الإسلامية» وحضر المؤتمر نائب رئيس البنك الإسلامي للتنمية بجدة، وأعضاء من حقيبة الاستثمارات الإسلامية بالبنك الأهلي التجاري بجدة والذي يعتبر الأسرع نموا في مجال الاستثمارات الإسلامية في العالم، ومندوبين عن دار المال الإسلامي وبيت التمويل الكويتي وممثلون عن 17 من أكبر البنوك في أمريكا، وهذا كله يدل بحق على حجم الاهتمام الذي تجذبه الظاهرة الإسلامية في الوسط الاقتصادي العالمي.
أما «سيتي بنك»، فقد أعلن في 8 يوليو 1996 تأسيس فرعه الإسلامي في البحرين برأس مال 20 مليون دولار على أساس أنه سيكون مستقلا تماما عن «سيتي بنك»، إلا أن سيستفيد من إمكانياته التكنولوجية والتدريبية والإدارية وامتداداته في 98 دولة حول العالم.
د. محمد الشاروجي، رئيس الفرع قال بأن «سيتي بنك»، كأول بنك دولي يفتح فرعا دوليا إسلاميا، يسجل بذلك الاعتراف بهذه السوق المتنامية والمهمة، وأن البنك سيسعى لتزويد المستثمرين والشركات الإسلامية بخدمات ومنتجات تتوافق مع الشريعة الإسلامية بإشراف مجلس لمستشارين شرعيين.
«سيتي بنك»، يتبعه 3400 فرع حول العالم وتصل قيمة أصوله 257 مليار دولار، وقد افتتح أول فروعه في الشرق الأوسط عام 1955 في القاهرة وبيروت وجدة، كما افتتح فرعه في البحرين عام 1970 وتم اختياره في استفتاء عام 1995 كـ«أفضل بنك في الشرق الأوسط» و«أفضل بنك أجنبي في البحرين».
وتزمع شركة «سوث ويست» بولاية ألينوي، افتتاح أول بنك إسلامي في أمريكا، وقد وجهت الشركة بهذا الصدد استفتاء لحوالي 12,000 شخص لتحديد احتياجات الجالية المسلمة، وقررت افتتاح البنك في آخر هذه السنة الميلادية نتيجة للاجابات التي وصلتهم والتي تمثل 14% من المستفتين.
ويقول خالد شاعر، المشرف الإداري على الشركة ومدير المشروع، أن البنك سيعمل في إطار قانون «الصندوق التعاوني» وتمويل التجارة والمرابحة والمضاربة كغيره من الشركات، إلا أنه أيضا سيقدم خدمات بنكية متعددة.
و«سوث ويست»، شركة مصرفية عامة ويتبعها حوالي 40 شركة تجارية ومصرفية.
تراوت سكارف الخبير الاقتصادي بمركز دراسات التنمية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية درس ظاهرة نهضة البنوك الإسلامية في العالم بتكليف من المنظمة الدولية لإنشاء فرص استثمار وتعاون من خلال هذه البنوك.
يشير سكارف، في تقريره، أن المنظمات المالية الإسلامية قد تساهم في المستقبل في تأسيس نظام عالمي اقتصادي جديد من خلال المزاوجة بين النظرة الاقتصادية الإسلامية والنظام الاقتصادي الرأسمالي الحديث.
ويضيف سكارف، بأن النظام الإسلامي يقف متميزا عن النظام الرأسمالي بمقاومته لتراكم الثروة وعن النظام الشيوعي بحمايته لحقوق الملكية الفردية والإنتاج.
ويبين سكارف، أن هذا يعود بالدرجة الأولى لأن الإسلام، بخلاف المسيحية، لا يفرق بين الدين والنظام المدني بالإضافة لمرونته في تبني الأنظمة الحديثة.
سكارف، اعتمد في سرده لمميزات النظام الإسلامي علي الاقتصادي البريطاني شمبيتر، والذي درس رؤي ابن خلدون، الاقتصادية في كتابه «تاريخ التحليل الاقتصادي» المنشور عام 1959، واعتبره أعظم اقتصادي مسلم في التاريخ.
وبعد سرد لتاريخ المؤسسات المالية الإسلامية على اختلافها، منذ منتصف السبعينات الميلادية وحتى الآن، ووصف لصور العقود الإسلامية وامكانية تمازجها مع العقود الرأسمالية يشرح سكارف، رؤيته حول مستقبل المؤسسات الإسلامية والتي يرى أنها تملك فرصة كبيرة للعمل من خلال التعداد الإسلامي الكبير الذي يفضل على كل حال الحصول على الربح من طريق مقبول في الشريعة الإسلامية، إلا أن هذه المؤسسات، في نظره، لم تتطور بالشكل الذي يجعلها تملك رؤية واضحة حول كل المعاملات المالية التجارية في السوق العالمي وخاصة أن مستجدات هذه السوق تتسارع بشكل كبير بالإضافة للمشكلة الأخرى وهو نقص القوى البشرية التي تملك الفهم الجيد للشريعة الإسلامية وتفاصيل المعاملات المالية في نفس الوقت مقارنة بحجم المؤسسات المالية التي يتسارع نموها يوما بعد يوم.
ويضيف سكارف، بأن التعاون مع المؤسسات الإسلامية مهم لكن بشرط تطوير آليات تسمح بمثل هذا التعاون تراعي المتطلبات الشرعية ومتطلبات السوق العالمية في نفس الوقت، مع ملاحظة أن هذه المؤسسات من المتوقع نموها السريع بسبب زيادة الوعي الإسلامي ولنمو وعي تسويقي داخل هذه المؤسسات لتقديم خدمات جديدة ومرغوبة.
ويشير سكارف، أن البنك الإسلامي للتنمية بجدة طور خبرات مهمة جدا في هذا المجال عندما استطاع أن يوجد صيغة تعاون ناجحة بين بنوك إسلامية وبنوك قائمة على النظام الرأسمالي في العالم الإسلامي.
وتناول تقرير آخر نشرته جريدة «نيويورك تايمز»، 8 أكتوبر 1994، في رأس صفحتها الاقتصادية حول «المصرفية الإسلامية: العقيدة والإبداع» مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي وتحريمه للفائدة، كما تناول أنشطة «أمانا» وMSI المالية، ونقل التقرير عن د. فينسينت كورنيل، أستاذ العلوم الدينية بجامعة دوك، والذي درس تجربة البنوك الإسلامية في ماليزيا، أن التجربة الإسلامية مازالت معتمدة بشكل كبير على الإيمان العقدي وهذا قد يسمح لكثيرين من المستغلين بدخول المجال وأكل أموال الناس، ولذا لابد من تحديد قواعد اقتصادية بحتة.
وتحدث في التقرير ستيفن توماس، ناشر «المجلة الأمريكية للمالية الإسلامية»، وهي نشرة صغيرة ترصد النشاطات الأمريكية الإسلامية، قائلا أن البنوك الإسلامية يتمحور عملها ليس على الجهد بل على الإبداع في إيجاد الصيغ المتناسبة مع الشريعة الإسلامية على الأقل في الفترة الحالية.
ووجه التقرير النقد للبنوك الإسلامية من خلال د. تيمور كوران، أستاذ الاقتصاد بجامعة جنوب كاليفورنيا، والذي ادعى أن هذه البنوك تتعامل في الحقيقة بالفائدة، حسب تحديد الفكر الرأسمالي لمعناها، ولكن تحت مسمى مختلف، ومن خلال جوناثان وينتر، رئيس المحققين في فضيحة بنك الاعتماد الإماراتي، والذي قال بأن العمل خارج التيار العام للعمل الاقتصادي خطر جدا وقد يسبب خسائر ضخمة.
أول بنك إسلامي في الغرب
يعتبر «المصرف الإسلامي الدولي في الدانمارك» أول المؤسسات الإسلامية الاقتصادية تأسيسا في الغرب، وكان وراء تجربة تأسيسه د. جمال الدين عطية، أستاذ القانون الدستوري بجامعة قطر حاليا، ومؤسس مجلة «المسلم المعاصر»، والتي كانت مسرحا لأول النقاشات الناضجة حول الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية.
وكان مع د. عطية، في التجربة د. محمود أبوالسعود، رحمه الله، أحد الآباء في مجال البنوك الإسلامية، وهو أول من كتب كتابا في الاقتصاد الإسلامي باللغة العربية عام 1934، وأول من انتبه لفكرة البنوك الإسلامية وسهولة تأسيسها في الغرب، وتوقع د. أبوالسعود، من خلال نظرة أكاديمية بعيدة الأفق أن معاملات المؤسسات الإسلامية ستحتاج بعد نموها للتعامل مع بنوك غربية ربوية، مما دفعهم لتأسيس البنك الإسلامي في كوبنهاجن بالدانمارك، وسمحت لهم الحكومة الدانماركية بكافة التعاملات ماعدا منها ما يتعلق بالمخاطرة بأموال المودعين، إلا أن البنك لما دخل مشكلة النمو المتزايد التي تعانيها المؤسسات الإسلامية في أمريكا حاليا تم بيعه للمؤسسات المالية الإسلامية في دول الخليج، فاشترى بيت التمويل الكويتي 15%، واشترى الراجحي 35%، وصالح كامل 30%، واشترى دار المال الإسلامي بالبحرين 20%.
* نُشر في جريدة المسلمون الدولية