يوجد على شبكة الإنترنت مئات «غرف الدردشة»، هذه الغرف تقوم في الأساس على كون المتحدث يرسل رسالة بالبريد الإلكتروني التي تصل بعد أقل من دقيقة لتظهر على الشاشة فيرد عليه أحد المشاركين برسالة أخرى وهكذا يدور النقاش، ويستطيع المشارك إرسال صور وتسجيلات صوتية يمكن للآخرين في «الغرفة» الاطلاع عليها مباشرة.
كثير من هذه الغرف مفتوح تماما للمشتركين الذين يوجهون الحديث كيفما شاءوا، وهو غالبا حديث عام جدا يستمتع فيها المشاركون بكون كل واحد منهم يعيش في بلد مختلف عن الآخر، وهي أيضا وسيلة لتعارف أقرب بين بعض المشتركين والذين يمكنهم أن يتواصلوا فيما بعد عن طريق البريد الإلكتروني، أو أي وسيلة أخرى بدلا من الحوار في غرفة مفتوحة يطلع على نقاشاتها الجميع.
عدد كبير أيضا من «غرف الدردشة» مخصصة للمتخصصين في مجال معين أو لمجموعة معينة ذات اهتمام أو انتماء واحد.
بعض الغرف على الإنترنت متقدمة تقنيا بشكل أفضل بحيث يظهر الحوار مباشرة خلال حوالي ثانيتين من إرسال الشخص للعبارة التي كتبها لتظهر مباشرة على الشاشة، وتتالى عبارات الحوار على الشاشة، كل عبارة تحمل اسم مرسلها حسب تحديده الشخصي لهذا الاسم “غالبا الأسماء رمزية وليست صريحة”.
هذه الغرف المتقدمة تقنيا مخدومة بشكل أفضل بكثير في الخدمات الخاصة، والتي يصل معدل اشتراكها الشهري في الولايات المتحدة 20 دولارا.
هناك تجد غرف متخصصة في العديد من الموضوعات المنوعة، وبجوارها قائمة صغيرة بمن في الغرفة، سواء شاركوا في الدردشة أو لم يشاركوا، والتي تسجل باستمرار من يدخل الغرفة ومن يخرج منها على مدار الـ24 ساعة.
أيضا مثل هذه الخدمات الخاصة، وأشهرها «أمريكا أون لاين»، و«ميكرسوفت» تمنح المشتركين فيها فرصة ابتكار غرفة دردشة، وتسميتها بما شاءوا خلال أقل من دقيقة، وبالتالي ستقف غرفة الدردشة هذه على قائمة غرف الدردشة الأخرى وربما جذب موضوعها عشرات الناس وربما لم تجذب أحدا.
بعد كل هذا، هناك برامج كمبيوتر خاصة لمن لديهم خدمة البريد الإلكتروني فقط دون شبكة الإنترنت والتي تقوم بنفس الدور.
واحد من أشهر هذه البرامج اسمه Freetel، والتي تعني «الهاتف المجاني».
هذا البرنامج يمكن الحصول عليه مجانا من خلال شبكة الإنترنت، كما يمكن لأي شخص تلقيه من الآخرين عن طريق البريد الإلكتروني، أو شرائه بالبريد العادي.
بعد إنزال هذا البرنامج على جهاز الكمبيوتر المزود بـ«مودم»، يدخل المتصل على قائمة طويلة جدا من مئات الأسماء “الرمزية غالبا”، التي هي في نفس الوقت على الشبكة، بما فيها اسم المتصل.
يطلب المتصل أي اسم من هذه الأسماء، ويأتيه الجواب خلال ثواني بأن الخط مشغول أو أن المتصل به وافق على «الدردشة» معه أو لم يوافق.
قرار الموافقة عادة يأتي بسبب أن الطلب يأتي معه عمر طالب الدردشة وجنسه وأي معلومات أخرى عن المتصل، وبالطبع فهذه المعلومات متاحة عن كل الذين على القائمة، وإن كان كل شخص يستطيع أن يزوّر ما شاء من المعلومات عن نفسه.
عند موافقة الطرف الآخر على الاتصال تفتح شاشتين متجاورتين يكتب فيها كل طرف جانبه من الحوار، والكتابة تظهر في نفس الوقت الذي تتم فيه تماما.
أيضا؛ إذا أراد المتحدثان يمكنهم فتح الميكرفونات الموجودة في معظم أجهزة الكمبيوتر الحديثة، ليتحدثوا على الهواء مباشرة مجانا مهما كانت دول المتصلين.
فيمكن لشخص في البحرين أن يتحدث مع شخص في أستراليا، ثم بعد دقائق مع شخص من السويد وهكذا.
أيضا من لديه كاميرا فيديو والتي تلحق بالكمبيوتر ولا يزيد سعر أرخصها عن 70 دولارا، فيمكنه ممارسة الحوار بالصورة والصوت على الهواء مباشرة!!.
دعوني أحكي لكم باختصار عن تجربتي مع هذا البرنامج خلال حوالي نصف ساعة.
عندما دخلت القائمة فوجئت بأن حوالي عدد كبير من الأسماء التي على القائمة أسماء عربية من لبنان ومصر وكل دول الخليج العربي _ ماعدا السعودية _ ومن أوروبا وأمريكا وأستراليا.
في التعريفات التي تصاحب هذه الأسماء تتأسف لأن جزء كبيرا من هذه الأسماء هي أسماء فتيات، بعضهن يؤكدن في التعريف أن الاتصال مقصور على الفتيات فقط، وبعضهن يذكرن العكس، كما تتأسف أكثر لما تجد بعض العبارات المنافية للأخلاق والتي يعلن بها بعض المتحدثين العرب عن أنفسهم.
كل الحوارات باللغة الإنجليزية بالطبع وقد تفاجأت بإجادة الكثيرين للغة الإنجليزية وحتى تعبيراتها العامية وحتى من أشخاص لا تزيد عن أعمارهم عن 14 عاما، ولما سألت كل من تحدثت إليه عن السر في ذلك كان الجواب يشير للأفلام الأمريكية!!
بعض الحوارات تمضي نظيفة واعية تبدأ عادة بالحديث عن الدولة التي يتصل منها الشخص والجو والوقت والاسم والعمر، وهكذا يختار كل متحدثين بعد ذلك مجرى حديثهما، ولكل شخص الإمكانية في إلغاء الاتصال في أي لحظة، كما يختار البعض أن يكون حديثهما مباشرة بالميكرفون بدلا من الكتابة خاصة لمن لا يتقن الإنجليزية.
ما هي مصلحة شركة Freetel، في تأسيس هذا البرنامج وصيانته المستمرة؟
الجواب ببساطة، أن الشركة تحقق أرباحا غير عادية من هذا البرنامج.
صحيح أنك تحصل على البرنامج مجانا وتتحدث فيه مجانا، ولكن هناك في أعلى القائمة مساحة تحتل حوالي ربع الشاشة وتتضمن إعلانات مختلفة من أنحاء العالم، وهؤلاء المعلنون يدفعون للشركة مبالغ مجزية مقابل هذه المساحة التي يضمنون أنها تصل لأعداد هائلة من الناس التي تتحدث من خلال هذا البرنامج في أوقات فراغها.
في تجربة أخرى ذهبت لغرفة دردشة على برنامج America Online، اسمها «القرآن حياة»، وأخرى «المصادر الإسلامية».
في الغرفتين كان الحديث متشابها، في معظم الأحيان أحاديث شخصية كتلك التي تتم في أي غرفة دردشة أخرى، مع الفارق بأن كل الذين في الغرف الإسلامية من المسلمين.
في بعض الأحيان تجد شخصا «بريئا» جاهل بمسألة شرعية معينة فيأتي للغرفة لطرح سؤاله.
مباشرة يجد هذا الشخص أجوبة من كل طرف، ومعظم هذه الأجوبة بكل أسف يملؤها الجهل المطبق والاجتهادات الشخصية.
الأمر نفسه يصادفه غير المسلم الذي يأتي لهذه الغرف ليسأل عن الإسلام فيصادف مباشرة بكل أسف بإجابات متسرعة ومتناقضة وربما بدأ الخلاف يرتفع بين المجيبين لينسحب خلالها السائل دون أن يشعر به أحد.
أحيانا يأتي السؤال من طرف غير برئ مسلم أو غير مسلم، وهذا الطرف يأتي ليثير الخلافات حول قضايا دقيقة وفيها الكثير من الشبهات. سبب رئيسي من أسباب هذا الخلاف هو أن هذه الغرف يأتيها أشخاص من الفرق والمذاهب العقدية، ومن كل التوجهات الفكرية، والمدارس الدعوية، وينقص كثير منهم أدب الحوار لتشب المعركة تلو الأخرى.
سبب آخر أنه من الثابت في الإحصاءات العالمية أن مرتادي غرف الدردشة هم من صغار السن عادة، ومن الذين لديهم الكثير من فراغ الوقت، وبالتالي _ بالنسبة للدول الغربية على الأقل _ من النصف الأدنى من المجتمع لوصح لنا تقسيمه لمجموعتين متساويتين “أعلى وأسفل”، وهؤلاء في العادة ضعيفين أيضا في العلم الشرعي وفي أدب الحوار وطرق الإقناع.
منذ فترة بسيطة وجه شخص من كندا اسمه الرمزي «إسلام 202»، شكوى مريرة لعدد من مجموعات النقاش من شخص اسمه «سيلاس778»، والذي يدخل دائما لغرف الدردشة هذه ويرسل رسائل منسوخة من كتب تهاجم الإسلام وتلقي حوله الشبهات والأكاذيب ليضلل بها من يصادفه من الضعفاء أو غير المسلمين ممن بداخل الغرفة.
«إسلام 202»، أرسل رسالة مطولة لرئيس شبكة America Online، يشكو فيها من هذا الشخص، طالبا طرده من الشبكة وطلب من الناس توجيه رسائل مماثلة.
الحقيقة أن هذه الرسائل لم تثمر عن شئ، لأنها تتناقض مع المبدأ الأمريكي في حرية الحديث.
أخيرا لابد لي من الإشارة لتجارب رائعة جديرة بالذكر.
على الشبكة الخاصة Microsoft، هناك ست مجموعات إخبارية إسلامية، والمجموعات الإخبارية مختلفة عن «غرف الدردشة» بأنها في الأساس ترسل رسائل البريد الإلكتروني كلها على عنوان واحد، وتحفظ الرسائل كلها في الأرشيف لكل من يريد الرجوع إليها، ولذا يمكن لشخص مثلا أن يرد على رسالة أرسلت قبل شهر.
هذا يجعل المجموعات الإخبارية أكثر معلوماتية من «غرف الدردشة».
المجموعات الإخبارية الإسلامية على Microsoft، هي مجموعة «الإسلام»، وهي مجموعة عامة للنقاش حول أي قضايا تهم المسلمين، ومجموعة «اسأل الإمام»، والتي يوجه فيها الراغبون أسئلتهم لأحد الشخصيات الإسلامية ذات العلم الشرعي والذي يتولى هو بدوره بالرد على الأسئلة الشرعية أو العقدية.
مجموعة «المسلمون المراهقون»، مخصصة كبيئة صحية لنقاش المراهقين حول القضايا المرتبطة بهم وخاصة منهم أولئك الذين يعيشون في دول غير إسلامية.
مجموعة «المناظرة حول الإسلام»، مخصصة للحوار «الودي» بين المسلمين وغيرهم حول الإسلام.
هناك أيضا مجموعة «الأخوات المسلمات»، والمخصصة للفتيات المسلمات من كل الأعمار لمناقشة مختلف القضايا المرتبطة بحياتهم.
مجموعة «دراسة القرآن»، مخصصة لنقاشات حول معاني وتفسير القرآن. معظم الذين يشاركون في أنشطة هذه المجموعات من المسلمين مع قلة من غيرهم.
الميزة الخاصة لكل هذه المجموعات أنها مدارة من خلال فريق مسلم يعمل على منع نشر أي رسالة غير مناسبة في المجموعة، وبالتالي منع الكثير من السلبيات المنتشرة في مجموعات النقاش الإسلامية المفتوحة والتي سبق الحديث عنها.
الفريق نفسه يدير الحوار في «غرف دردشة إسلامية» تجتمع في أوقات معينة من الأسبوع، فغرفة دردشة دراسة القرآن مثلا تجتمع كل إثنين مساء بتوقيت الولايات المتحدة ويختار مجموعة من الآيات من القرآن ويتم النقاش حولها ومعانيها.
هناك غرف دردشة لـ«المسلمات»، و«الدراسات الإسلامية»، والتي يختار فيها موضوع كل أسبوع ويتم نقاشه، وغرفة للمراهقين المسلمين والتي يتم فيها النقاش بإشراف أحد أعضاء الفريق ليتدخل في أي وقت يصل فيها النقاش مرحلة غير مناسبة، وهناك غرفة أيضا للحوار عبر الأديان.
ليلى السويدي، من الإمارات، أحد أعضاء هذا الفريق، قالت أن هناك فكرة الآن لتأسيس غرفة دردشة جديدة للآباء المسلمين للنقاش حول تربية أبناءهم عنوانها «الأبوة في الإسلام».
تجربة أخرى: الموظفون المسلمون، وعددهم 200 موظف وموظفة، في شركة طيران America Airlines، أحد أكبر شركات الطيران الأمريكية، أسسوا لأنفسهم «غرفة دردشة» خاصة بهم يجتمعون بها أسبوعيا ويتدارسون فيها القرآن ويتناقشون حول الموضوعات الشرعية في طريقة منظمة كما يتناقشون فيها حول المشكلات التي تواجههم كأقلية مسلمة تتضمن طيارين ومضيفين وموظفين أرضيين في شركة America Airlines.
المثير أن هذه الغرفة تأسست بإشراف الشركة نفسها، ضمن برنامج لها لرعاية 12 مجموعة من الأقليات من الشركة، ويتضمن هذا البرنامج تخصيص غرفة للصلاة لكل مبنى للشركة فيه مسلمين، وتخصيص وقت أسبوعي لجميع موظفيها ليجتمعوا في غرفة الدردشة الإلكترونية أو في غرفة الصلاة لتدارس القرآن وللتناقش في موضوعاتهم المختلفة.
مثل هذا التطبيق يقدم لنا مثالا عن الكيفية التي يمكن بها الاستفادة من التكنولوجيا التي دخلت علينا شئنا أو أبينا من كل الأبواب، وكل ما نستطيعه هو البحث عن طرق للاستفادة القصوى منها، وعن أساليب تربوية لتحصين الجيل القادم من المخاطر الثقافية التي يمكن أن يتعرض لها.
* نُشر في جريدة المسلمون الدولية