بعد أن هدأت حملات التهجير الضخمة التي قامت بها «إسرائيل» في الثمانينات وأول التسعينات ليهود الاتحاد السوفييتي وأثيوبيا وغيرها، تتجه أنظار «المجلس اليهودي العالمي» حاليا للغرب وخصوصا أمريكا، لاجتذاب اليهود فيها للهجرة إلى إسرائيل، وذلك من خلال حملة دعائية ضخمة بدأت الشهرين الماضيين.
الإعلانات تَعد المهاجرين الجدد بوظائف ذات مرتبات عالية، وببرامج لمساعدة المهاجرين على التأقلم مع البيئة الجديدة.
أفراهام برج، رئيس الوكالة اليهودية، المسئولة منذ حوالي قرن من الزمن عن تهجير اليهود لإسرائيل، قال في هذا الصدد أن الوكالة حافظت الآن على معدل سنوي ثابت لهجرة يهود الاتحاد السوفييتي وهو 50,000 شخص، إلا أن عينها تتسع حاليا على أكبر جالية يهودية في العالم، يهود الولايات المتحدة البالغ عددهم حوالي 6 ملايين نسمة.
الوكالة عينت هذا الشهر مايك رسينبرج، والذي هاجر لإسرائيل من الولايات المتحدة في عام 1971، رئيسا لإدارة الهجرة في فرعها بأمريكا، بغرض بدء حملة ضخمة لاجتذاب اليهود الأمريكيين.
الرئيس الجديد قال في أحاديث صحفية، أن إسرائيل يجب أن تنمو، ومن المهم جدا أن يعيش غالبية الشعب اليهودي في إسرائىل، فهي الدولة اليهودية الوحيدة، الدولة الوحيدة التي لن تضيع عليك فيها الأعياد اليهودية.
إلا أن الحقيقة أن مهمة رسينبرج، لن تكون سهلة أبدا، فيهود أمريكا بالذات يتمتعون بمعيشة مادية ممتازة، بالإضافة لانتمائها للتيارات التحررية اليهودية والتي تعيش في صراع مع التيارات اليهودية المتشددة في إسرائيل.
ولذا؛ لم يشهد العام الماضي إلا هجرة حوالي 2000 يهودي أمريكي من أصل 80,000 مهاجر يهودي من الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1948.
قادة اليهود المتحررين أو العلمانيين في أمريكا ردوا على هذه الحملة الضخمة بأن إسرائيل إذا كانت تريد اجتذاب يهود أمريكا فعليها أن تقلل من ضغط المتشددين هناك بما يسمح لغير المتدينين بالعيش هناك، مع ملاحظة أن 90% من يهود أمريكا هم من غير المتدينيين مقارنة بأقل من 1% في إسرائيل، حسب احصائيات المؤسسات اليهودية في أمريكا، وهؤلاء القلة من اليهود غير المتدينيين يخوضون الآن معركة خاسرة في إسرائىل ضد مجموعة من مشاريع القرارات التي ستحكم السيطرة لليهود المتشددين على إسرائيل، مما يجعل الأغلبية من يهود أمريكا في حالة ترقب.
في هذا العام قام طلبة يهود متشددون في إسرائيل برمي الحجارة على يهودي علماني كان يقف بجوار الحائط الغربي للمسجد الأقصى، الذي يعتبره اليهود حائط المبكى.
حاخامات اليهود المتشددون يصفون اليهود العلمانيين بأنهم مشركين، والحاخامات اليهود العلمانيين الذين يسمون أنفسهم بالإصلاحيين ممنوعون في إسرائيل من أداء عقود الزواج أو المشاركة في المجالس الدينية.
هذا ما جعل يوري ريجاف، حاخام يهودي علماني، يقول أن إسرائيل ترسل بمثل تلك الأحداث رسالة لنا بأننا غير مرحب بنا في إسرائيل، وأن بوابابات تل أبيب لا يمكن أن تفتح لمثلنا.
البرنامج الجديد سيتيح للمهاجرين من منطقة واحدة في أمريكا بالتجمع في مناطق متقاربة، وينطوي هذا البرنامج في تصميمه بالسماح للمهاجرين اليهود العلمانيين بالسكن في مستعمرات خاصة يتمتعون فيها بما تعودوا عليه في أمريكا، مما يرفضه اليهود المتشددون أن يحدث في مستعمراتهم.
رسينبرج، المسئول في الوكالة اليهودية، قال في حديثه عن البرنامج، بأنه «لا يهدف لحماية مستقبل إسرائيل فقط، بل مستقبل اليهودية نفسها.. الخطر الأعظم الذي يواجه اليهود في أمريكا هو الذوبان في المجتمع الأمريكي، فأكثر من نصف الأمريكيين اليهود متزوجون من غير يهوديات، وهذه مشكلة خطيرة بالفعل».
ولعل من المعروف أن اليهود أبناء أسرة مختلطة يعتبرون حسب أمهاتهم، فمن أمه يهودية وأبوه غير يهودي فهو يهودي، ومن أبوه يهودي وأمه غير يهودية فهو غير يهودي، الأمر الذي يقلق الوكالة اليهودية كما يبدو فعلا.
«نحن نحارب ضد الوقت، لأن الهوية اليهودية تضعف وتذوب وعلينا أن نتحدى ذلك هنا في أمريكا»، هذا مايضيفه رسينبرج، والذي على ما يبدو يواجه صعوبات ضخمة في عمله.
بين أبرامس، 23 عاما، هو شاب أمريكي يهودي من ولاية بنسلفانيا هاجر لإسرائيل متأثرا بحملات الوكالة اليهودية لكنه عاد بعد أقل من عام.
يقول أبرامس، «إسرائيل لم تقرر بعد ما إذا كانت تريد أن تكون أيديولوجية أو ديمقراطية، كما أنها لم تطور اقتصادها بما يسمح للجميع أن يجد فرصته، والداي كانا قلقين على سلامتي في إسرائيل وهم يسمعون عن التفجيرات والهجمات الانتحارية، أمي كانت قلقة جدا، لقد كرهت اليوم الذي غادرت فيه لإسرائيل».
لكن الوكالة اليهودية ذات المكاتب المنتشرة في كل أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية وذات الميزانية العالية جدا مصممة على أن تمضي قدما بكل الإجراءات والإغراءات الممكنة لاحتواء أكبر نسبة ممكنة من يهود أمريكا وحملهم على الهجرة لإسرائيل، وأحد هذه الإغراءات بأنهم سحتلون أفضل المستوطنات الجديدة الجاري بناءها حاليا بتمويل رجال أعمال يهود أمريكيين في أغلب الأحوال، بما فيها مستوطنة جبل أبوغنيم في القدس.
مسئول الوكالة رسينبرج، يقول بأن مثل هذه المجهودات بدأت تبذل بالفعل في باقي الدول الأوروبية «إلا أنهم أحسن حظا مني ويلقون تجاوبا أفضل».
* نُشر في جريدة المسلمون الدولية