كيف يمكن للشخص أن يشوه الإسلام ويسيء إليه بين المسلمين وغير المسلمين، وهو يدعي أن يقصد الدفاع المستميت عنه؟
هذه المفارقة تأتي حينما يسيطر الجهل والاستسلام للشبهات على المسلم فتأخذه بعيدا عن المعين الصحيح لهذا الدين وترميه في صحاري من الضلال الذي ينعكس بكل أسف على صفحته الإنترنتية، والتي تنتشر بين الناس بلا رقيب.
محمد أسد الله أسدي، هو اسم معروف بين المتابعين لأحوال الجالية المسلمة في أمريكا، وخاصة في أوساط جاليته الصغيرة في مدينة سبرينجفيلد بولاية ميسوري، وله موقع ضخم على الإنترنت مليء بالمعلومات والحجج باسم الدفاع عن الإسلام والقرآن الكريم والتي يمكنها أن تملأ كتابا من القطع الكبير.
الطامة الكبرى التي يؤمن بها محمد أسدي، وأحدثت خلافات شديدة بينه وبين المسلمين في مدينته، بعد أن كانت الصلوات كلها تقام في شقته وبإمامته، والذين اضطروه أخيرا بعد طول صراع للهروب لمدينة أخرى في ولاية إلينوي المجاورة، هي الادعاء أن السنة النبوية المشرفة هي مجرد أسطورة خلقها المسلمون عبر القرون بسبب تقديسهم المغالي للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن وحده هو المصدر التشريعي للمسلمين في كل شئونهم الأخروية والدنيوية.
محمد أسدي، بهذا الادعاء يتبع لتيار بدأ ينتشر في الولايات المتحدة الأمريكية مكتسبا أتباعا له في أماكن متعددة حول العالم ويتمركز في مسجد صغير بمدينة توكسون بولاية أريزونا الأمريكية، حيث بدأه هناك رشاد خليفة، الكيميائي المصري الذي بدأ باكتشافه لمعجزة الرقم 19 في القرآن الكريم، مرورا بتأسيس الادعاء بأن «القرآن وحده» هو المصدر التشريعي، وانتهاء بادعائه أنه رسول من عند الله، عز وجل عما يقول الظالمون.
ويرعى التيار حاليا بعد وفاة رشاد خليفة، مجموعة من الأشخاص أبرزهم أديب توكسل، ومحمد أسدي، هذا ومجموعة من الأكاديميين الأمريكيين الذين اعتنقوا الإسلام منبهرين بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم، الأمر الذي يعتمد عليه هؤلاء في دعوتهم لمذهبهم، كما يعتمدون على المعادلات الرياضية البسيطة والمعقدة التي وجدها رشاد خليفة، في النص القرآني.
هذا التيار ترك أثره في عدد ليس بالقليل من الجالية المسلمة في أمريكا الذين لم يتبعوا كل أفكار رشاد خليفة، ولكن صاروا يعتقدون أن الحديث النبوي بمجمله غير موثق ولا يمكن الاعتماد عليه في الاستشهاد، وصاروا يتحاشون ذلك في حياتهم أو في خطبهم إن كانوا من خطباء الجمعة وهذا قليل جدا، وهذه الأفكار تنتشر بالذات في أوساط المسلمين من أصل أمريكي البعيدين عن العلم الشرعي.
في موقع محمد أسدي، واسمه «طريق القرآن»!!، مقالات مطولة موجهة للقارئ غير المسلم هدفها إثبات إعجاز القرآن الكريم وكونه منزل من عند الله، وذلك بالاعتماد أساسا على الحقائق العلمية التي وردت في القرآن الكريم ولم يكتشفها العلم إلا بعد مئات السنين.
المقالات كتبت بأسلوب جذاب لكنه مليء بالفلسفة التي تبتعد عن بساطة هذا الدين ووضوحه لتدخل به في جدليات معقدة، يبدو ذلك واضحا في مقاله: الله.. حالة علمية!!.
بعد ذلك تأتي مقالات قصيرة يحاول أسدي، من خلالها إثبات أن السنة النبوية «مزورة» عبر العصور، وأن القرآن وحده يجب الاعتماد عليه والارتباط به، وتحمل مثل هذه المقالات لغة عاطفية قوية حين تدعو لعودة الأمة للقرآن الكريم «المخرج مما نحن فيه»، إلا أنها بالطبع تتناقض مع نفسها حين تدعو للتخلي عن السنة النبوية المشرفة.
في الموقع مقالة مطولة عن المرأة في الإسلام، ورغم أن المقالة تبدأ بجهد كبير من كاتبها في إثبات خصوصية المرأة في الإسلام والرد على الشبهات التي يهاجم بها الغرب الإسلام في هذا الخصوص، إلا أنه لكون أسدي، لا يقيم اعتبارا إلا لما ذكر في القرآن الكريم فهو يرفض الحجاب السائد لدى النساء المسلمات ويدعي أن المرأة مسموح لها بكشف رأسها بالكامل وكشف ذراعيها حتى المرفقين، كما يدعي أن للمرأة حق تطليق نفسها بنفسها وحق الولاية على المسلمين، فيما يرفض ختان المرأة بشكل كامل.
هناك أيضا كتيب على الصفحة يبين بشكل مفصل موقف «القرآن» من نظرية داروين، والنظريات العلمية المرتبطة بها مثل الاستنساخ.
هناك أيضا مقالات متعددة حول موقف «القرآن» من الربا، وموقفه من المسيح، عليه السلام، ومقارنة اعتمدت كثيرا على ما كتبه الشيخ أحمد ديدات، في هذا المجال، بين القرآن والإنجيل في تصويرهما للمسيح، عليه السلام، ودراسة مطولة عن التناقضات الموجودة في الإنجيل، ومقالات عن مفهوم الجهاد في القرآن، ومفهوم تعدد الزوجات _ يدعي أنه خاص بالطبقات المضطهدة من المجتمع لأن القرآن ذكره في سياق الحديث عن اليتامى _ ودراسة عن المفاهيم البيولوجية في القرآن الكريم، ودراسة تقارن بين القرآن والإنجيل، ودراسات عن التقاليد الوثنية في الديانة المسيحية.
زائرو الموقع يمكنهم تسجيل ردود أفعالهم نحو ما في الموقع لتظهر بشكل إلكتروني فيما بعد.
هناك مجموعتين رئيسيتين من الردود:
- الأولى: ردود الغربيين وكلهم من أمريكا والذين هاجموا بعض الأفكار العلمية التي قدمها محمد أسدي، ضمن تقديمه للإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وهي في الحقيقة مشكلة هامة مرتبطة بهذا النوع من الدعوة، إذ يبدو أحيانا تفنيد بعض الأفكار العلمية المرتبطة بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم تفنيدا للقرآن نفسه.
هؤلاء أيضا انتقدوا عدم توثيق محمد أسدي، للمعلومات العلمية التي ذكرها في صفحته، وهي مشكلة تقع فيها الكثير من الصفحات الإسلامية على الإنترنت، والتي تخاطب غير المسلمين، وذلك بعدم صياغة صفحاتهم صياغة علمية موثقة، مما يقلل في مصداقيتها في نظر القارئ الغربي الذي تعود على صياغة معينة وموثقة في الكتابات العلمية والموضوعية.
- المجموعة الثانية: تكشف بألم عن جهل الكثير من المسلمين بأصول الدين، حيث أبدى العديدون من أمريكا وبريطانيا وماليزيا وباكستان وفلسطين ولبنان وغيرها إعجابهم الشديد بالصفحة، وأنها ذات الحجة البالغة رغم أن أسدي، كان صريحا في مطالبته بالتخلي تماما عن السنة النبوية، والاعتماد على القرآن وحده، وهذا يكشف بوضوح خطورة مثل هؤلاء الذين يزرعون أفكارهم الضالة وسط جمهور مسلم يغلب عليه الجهل، وعدم التنبه لأصول الدين العقدية الأساسية التي تنقض مثل هذا الضلال.
الصفحة تحتوي على مداخل لعدد من المصادر الإخبارية الهامة على الإنترنت، مثل جريدة World News، وCnn، وعدد من وكالات الأنباء والمصادر الإخبارية، بالإضافة للأخبار الجوية والكثير من مقطوعات الموسيقى الكلاسيكية، والتي هدفها بالطبع جذب الناس للصفحة، والذين سيجدون هذه المداخل مجموعة أمامهم في صفحة واحدة، بدلا عن البحث عن كل واحدة منها على حدة على شبكة الإنترنت.
محمد أسدي، كان قد أرسل يوما مقالاته هذه التي على صفحته لمجموعة «مؤمن نت» للنقاش، لكنها منعت من النقاش، فبث أسدي، رسالة عاطفية يشكو فيها المسؤولين عن المجموعة وادعى أن معاداتهم للرؤية القرآنية المجردة هو الذي دفعهم لذلك.
رد المسئولين عن مجموعة النقاش بأن مثل هذه الرسائل كان هدفها إثارة الفتنة، والمجموعة هدفها تأسيس شبكة لتوحيد المسلمين عالميا، ولا مانع لدى المسئولين من بث رسائل أسدي، شريطة ألا يهاجم السنة بشيء، لأن ذلك سيثير غضب المسلمين.
أختم بهذه الحادثة لكونها من التجارب الأولى من الصدام بين المسئولين عن شبكات النقاش الإسلامية التي يفترض أنها ستتوسع كثيرا في السنوات المقبلة وبين أصحاب الأفكار ذات الضلال الواضح و«المثير للفتنة»، على حد تعبير مسئولي شبكة «مؤمن نت».
* نُشر في جريدة المسلمون الدولية