لو حصل لك يوما أن تمر بأحد أحياء مدينة نيويورك الفقيرة والمليئة بالإجرام والمآسي الاجتماعية ثم رأيت طابورا طويلا من الناس الذين يبدو عليهم الفقر الشديد فدقق النظر جيدا فربما ترى لوحة مكتوب عليها «حركة المسلمين المتحدة ضد التشرد (أمة)».
إنها مفاجأة جميلة أن ترى مسلمين يعملون ليل نهار في محاربة واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية سلبية في أمريكا حيث يوجد مئات آلاف المتشردين _ في نيويورك وحدها _ الذين ينامون على الأرصفة أو على الشواطئ ويأكلون مما يستطيعون سرقته أو شحاذته أو مما تمن به عليهم الجمعيات الخيرية المنتشرة لهذا الغرض.
من الجميل أن نرى المسلمين يستفيدون من هذه الفرصة لتقديم عمل دعوي يعرف هؤلاء الناس بالإسلام والمسلمين كعامل إيجابي في المجتمع، ولكن المؤلم حقا أن تكتشف أن من بين هؤلاء المتشردين أكثر من 3000 مسلم، حسب ما يؤكده خطيب أكبر جهاد، رئيس «حركة المسلمين المتحدة ضد التشرد (أمة)» والتابعة للحلقة الإسلامية لأمريكا الشمالية إحدى أهم المؤسسات الدعوية النشيطة في الولايات المتحدة.
خطيب، يعتقد أن الجالية الإسلامية لديها ما يكفي من مؤهلات وقدرة لتقديم مثل هذه الخدمات في الأحياء الداخلية للمدن والتواكب مع مشكلاتها وإدارة جمعياتها الخيرية الخاصة بالجالية، خصوصا مع وجود عدد متزايد من الداخلين للإسلام من الأفروأمريكيين والمهاجرين والذين كانت أسرهم قد استقرت في هذه الأحياء من قبل بما قدم لهم الخبرة الكافية للتعامل مع الظروف غير العادية التي تحيط بمشكلة التشرد وبالأحياء الداخلية لمدينة نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية الكبرى.
«حركة المسلمين ضد التشرد» تدير عددا من الأنشطة ومنها جمع وتوزيع الملابس المستعملة على المتشردين، وتوزيع السندوتشات والعصيرات والفواكه والأغذية المعلبة وحتى الأكل المطبوخ على أكثر من 200 متشرد نيويوركي أسبوعيا.
أيضا؛ يحصل هؤلاء المتشردين على مطبوعات دعوية متنوعة أملا في إيصال نور الإسلام إلى قلوبهم.
ليس هذا فحسب، بل يذهب متطوعو برنامج «حركة المسلمين» إلى مراكز تجمع اللاجئين في نيويورك ليتحدثوا إليهم.
أىضا؛ يدعوهم للاستفادة من خدمات العلاج من مرض «الأيدز» المنتشر بين المتشردين، والعلاج كذلك من الإدمان على المخدرات.
المتطوعون يذهبون ليتحدثوا أيضا في السجون، كما ينظموا برنامجا سنويا لجمع الألعاب المستعملة التي مل منها مالكوها وتوزيعها على الأطفال المتشردين.
أكثر من ذلك كله، بما أن هدف البرنامج الأصلي هو القضاء على مأساة التشرد بشكل نهائي، يقدم البرنامج دورة إسلامية تدريبية لكل من يرغب من المتشردين والتي تستمر من 6 إلى 12 شهرا لإعادة تأهيل هؤلاء المتشردين للتعايش مع مجتمعهم والحصول على عمل، مع برنامج لمتابعة هؤلاء المتدريبين بعد انتهائهم من الدورة التدريبية ومحاولة حل مشاكلهم: «نحن نقدم رسالة أمل وصوت اهتمام عميق لمستقبل هؤلاء المتشردين، وهدفنا هو تأمين مكان مناسب يمثل ملجأ مؤقتا لأولئك المتشردين حتى يتم بالفعل إلحاقهم بالمجتمع وتمكينهم من الاعتماد على أنفسهم».
يقول خطيب جهاد، بأن البرنامج يتمنى لويستطيع تقديم خدمات مثل العلاج من إدمان الخمور والمخدرات، والعلاج النفسي، والخدمات الطبية، وبرامج تأمين الوظائف والتدريب وخاصة للمتشردين المسلمين، ولكن الموارد المالية الموجودة حاليا لا تكفي لمثل هذا الهدف الطموح.
يقول خطيب، في شرحه لمفهومه للعمل الدعوي المرتبط بنشاطه بين المسلمين وغيرهم: «نحب أن نؤكد لهم أنه بالرغم من تشردهم طويل الأمد، فإنه بعون الله تعالى سيستطيعون تحمل مسئوليات الحياة من جديد، ولكن يبقى الهدف الأساسي من البرنامج هو إحضار للناس لجمال وروعة الإسلام».
خطيب أكبر جهاد، له قصة إسلام مميزة تشرح الروح الخاصة التي يملكها هذا الرجل في إدارة برنامجه.
في عام 1987، كان خطيب سجينا، كما كان كاثوليكيا، ولكنه كان حينها يشعر أن الكاثوليكية لم تقدم له ما يحتاجه روحيا وعقليا.
خطيب، بدأ رحلة البحث عن الحل المريح له ووجد الإسلام في السجن.
عندما وضع خطيب رجله خارج باص السجن بعد الإفراج عنه لم يجد مكانا ينام فيه حتى حصل علي سرير في ملجأ بحي «بروكلين» بنيويورك، حتى استطاع أن يقوم على قدميه ويحصل على بعض المال.
هذا الموقف الحاد الذي تعرض له خطيب، جعله يفكر كثيرا حول المتشردين وآلامهم، مما جعله يقرر اتخاذ خطوة عملية.
في الملجأ تعلم خطيب أن الكثيرين من المتشردين لا يذهبون هناك بسبب خوفهم من الأمراض المعدية التي تنتشر بين المتشردين، مما يجعل الطرقات تبدو لهم أكثر أمانا.
لماذا لا يعمل هؤلاء الناس؟
خطيب، علم حينها من خبرته الشخصية الظروف القاسية التي يعانيها هؤلاء كضحايا للنظام المادي الرأسمالي وضحايا ظروف الظلم والجهل التي لا يفهمها كثير ممن يعيشون في أمريكا نفسها.
هذا السؤال نفسه يواجه به خطيب، كلما ذهب للجالية الإسلامية طالبا منهم العون، لأنهم لا يعرفون الظروف الحقيقة لهؤلاء المتشردين الذين أجبرتهم على هذه الحياة الأليمة بين جدران واحدة من أكثر المدنيات مادية على وجه الأرض.
ليس هذا فقط ما تجهله الجالية الإسلامية، بل هي تجهل أيضا ما يعرفه خطيب، من وجود عدد كبير من المتشردين المسلمين.
يقول خطيب، بأن الكثير من المسلمين يرون أن مدمني المخدرات من غير المسلمين لا يستحقون المساعدة، لكن هؤلاء في رأيي هم بالذات من يستحق المساعدة ويحتاج الإسلام.
بدأ خطيب، من خلال «كارفان» قديم أعاد إصلاحه ليستعمله ومعه اثنان من المتطوعين المسلمين لتوزيع الطعام على المتشردين في الطرقات.
بعض الخبازين المسلمين في المدينة تبرع له بما يتبقى من الحلويات والكعك الذي لم يباع طوال اليوم.
عمل خطيب، بكل مالديه من وقت ومال وأفكار وهمه تحسين حياة هؤلاء الناس وإحضار الإسلام إليهم.
النهاية الجميلة لجهود خطيب، الضخمة هو موافقة «الحلقة الإسلامية لأمريكا الشمالية» على ضم مشروعه تحت مظلتها ودعمه ماديا “بشكل جزئي”.
أثناء قراءتك لهذه السطور، يقف خطيب جهاد، في أحد طرقات نيويورك يساعد فقراء الناس ويوزع عليهم الطعام، ويتحدث إليهم عن الإسلام، ليخط بذلك معالم تجربة دعوية مميزة لا تتكرر كثيرا.
* نُشر في جريدة المسلمون الدولية