مليونا مسلم منسي في جبال الهملايا

من قسم منوعات
الأربعاء 25 مارس 1998|

تعتبر نيبال المتربعة على قمم وسفوح جبال الهملايا، الدولة الوحيدة في العالم التي تعلن عن نفسها رسميا كدولة هندوسية.

هي أىضا معروفة بكونها البلد التي ولد فيها «بوذا»، مما يجعل البوذية الدين الرسمي الثاني في الدولة.

وسط هذه الأغلبية الهندوسية-البوذية، والتي تستمد قوتها من جارتا نيبال الهند والصين، يعيش مليونا مسلم منسي، من أصل 20 مليون نسمة، في ظروف اقتصادية وسياسية صعبة وأليمة.

«هم متخلفون في جميع مجالات الحياة والسبب يرجع إلى أن الأغلبية منهم أميون، فالجهل منتشر فيهم بصفة عامة ويخيم عليهم الفقر بصفة مؤلمة»، بهذه العبارة يضع الشيخ عبدالله عبدالتواب، رئيس مركز التوحيد بالعاصمة النيبالية كاتماندو، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، على نقطة ضعف مسلمي نيبال، والتي ساهمت العديد من العوامل التي أدت بهم لهذا الحال.

أول هذه العوامل أن دولة نيبال كانت تمنع المسلمين من الالتحاق بالمدارس والجامعات النيبالية، وبالتالي الحصول على أي وظائف راقية حتى عام 1940، مما أنشأ جيلا جاهلا ومرتبط بوظائف محددة جدا مثل الرعي والتي عزلته عن مواكبة تطور المجتمع النيبالي.

المسلمون أثناء هذا المنع كانوا يلجئوا للمدارس الدينية الإسلامية، والتي تأسست منذ أكثر منذ مائة عام ومازالت قائمة حتى الآن، إلا أن هذه المدارس وأشهرها جامعة «سراج العلوم» في «جهاندا نغر»، والمدرسة المحمودية في «راج فور»، تقع في المناطق المحاذية للحدود الهندية، مما يسمح لهم بالاحتكاك بالدعاة المسلمين الهنود وهي في حالة رديئة جدا، ولا تدرس إلا مبادئ العلوم على حسب وصف الشيخ عبدالله عبدالتواب.

هذا ترك المسلمين في المناطق الجبلية في جهل شديد عرضة للتأثر بالتقاليد والطقوس الهندوسية الشركية، وكم يثير الألم أن «تمر بقرية مسلمة وإخوانك المسلمون يلتفون حولك ويحيونك بكل سذاجة وبساطة وقلوبهم مفعمة بحبك واحترامك، وحين تسئلهم عن كلمة الإسلام لا يبدو لك أنه يعرفها إلا الواحد منهم أو الإثنان»، حسب وصف الشيخ عبدالتواب.

أيضا؛ يعاني المسلمون في نيبال من الفقر الشديد، وذلك لأن الأغلبية منهم تعمل بالزراعة في القرى والجبال، والقلة منهم فقط تعمل في مجال التجارة فيما يعمل عدد ضئيل جدا في الوظائف الحكومية.

هذا الفقر الشديد منع المسلمين تماما من ممارسة أي أنشطة سياسية تضمن لهم الدفاع عن حقوقهم في وسط التعصب الهندوسي ضدهم، ولذا فبالرغم من كون نيبال ذات نظام برلماني حزبي إلا أنه ليس للمسلمين حزب سياسي بينما انضم البعض منهم لأحزاب سياسية متفرقة مكنتهم بالحصول على أربع مقاعد في البرلمان، إلا أن هذا لايسمح لهم على الإطلاق بدعم حقوقهم العامة.

نيبال تقلل كثيرا من الوجود الإسلامي فيها فهي تدعي أن عدد السكان المسلمين لا يزيدون عن ستمائة ألف نسمة، ولما زار الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، نيبال، زادت الجريدة الحكومية «غوركها بتر» عددهم إلى مليون وأربع مائة ألف، بينما المصادر الإسلامية، حسب ما يذكره الشيخ عبدالله عبدالتواب، تؤكد أن عدد المسلمين لا يقل عن مليوني مسلم، يتوزعون في كافة أنحاء نيبال بما فيها أعالي جبال الهملايا، إلا أن أغلبيتهم تسكن مناطق سهلية على الحدود الهندية النيبالية.

رغم كل ذلك فهناك الكثير من الأمل معلق حول مسلمي نيبال، وذلك لوجود العديد من خريجي المدارس الشرعية والجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي الذين بدؤوا ممارسة بعض أنشطة العمل الدعوي، ولكون قانون الدولة الحالي أعطى للمسلمين الحرية الكاملة لأداء شعائرهم الدينية وإقامة المدارس والمؤسسات التعليمية، وإن كانت شهاداتها غير معترف بها رسميا، والمساجد وعقد المؤتمرات وتكوين الجمعيات والمؤسسات الإسلامية، مادامت هذه الأنشطة محصورة في الجالية الإسلامية، حيث يمنع الدستور النيبالي دعوة شخص إلى ديانة لا يدين بها، وإن كان لهذا أثر إيجابي في تركيز الأنشطة الدعوية في أوساط المسلمين الذين هم في أشد الحاجة إليها.

الجدير بالذكر أن ليس من المعروف تماما متى دخل الإسلام للمناطق الجبلية في نيبال، إلا أن الشيخ عبدالله عبدالتواب، يذكر نقلا عن بعض المصادر التاريخية، أن حاكم الهند غياث الدين تغلق، كان أول من دخل لبعض مناطق نيبال السهلية عند عودته من بنغال عام 1324، لكنه لم يسجل حينها أي إنجازات لصالح المسلمين.

بعد ذلك بـ25 عاما، توجه الحاكم البنغالي المسلم شمس الدين، عام 1349، إلى المناطق الجبلية وغزا بعض الدويلات الصغيرة فيها، إلا أن الشتاء القارس في جبال الهملايا لم يمكنه من المكوث لمدة طويلة فرجع من حيث أتى دون أن يستتب له الحكم في البلاد.

في عام 1491، بدأ الدخول الحقيقي للمسلمين لنيبال بهدف الإقامة بعد أن سمح ملك العاصمة النيبالية كاتماندو، بتوطين التجار المسلمين الذبن جاءوا من كشمير للتجارة.

أيضا استقر عدد كبير من المسلمين في المناطق السهلية المتاخمة على حدود الهند بحكم أن معظم هذه المناطق السهلية انتقلت لسلطة حكام دلهي المسلمين، ولما فتح الملك برتوي ناراين شاه، هذه المناطق في عهد الاحتلال الإنجليزي للهند، أقر المسلمين في أماكنهم كمواطنين نيباليين.

الشيخ عبدالله عبدالتواب، قدم عدة اقتراحات لتحسين أوضاع المسلمين في نيبال.

من هذه الاقتراحات انشاء الكليات الشرعية الإسلامية والاعتراف بها من قبل الجامعات في العالم الإسلامي، حيث لا يوجد أي مدرسة شرعية في نيبال معترف بها من الجامعات الإسلامية لتردي مستواها، وإقامة ثلاثة مراكز للدعوة الإسلامية بالمناطق الجبلية من نيبال، وإنشاء مراكز للتدريب المهني لتدريب المسلمين على المهن المختلفة التي تحسن مستواهم الاقتصادي، وتخصيص منح دراسية في العالم الإسلامي للمسلمين النيباليين، وإرسال العلماء والدعاة المؤهلين لنيبال للقيام بواجبات الدعوة والإرشاد، وأخيرا طرح القضية النيبالية في الهيئات والمؤتمرات الإسلامية الكبرى.

أخيرا؛ ليس لنا أن نقول ما قاله الشيخ سعيد الأعظمي، رئيس تحرير مجلة «البعث الإسلامي» الصادرة عن ندوة العلماء بلكنؤ، بعدما زار نيبال: من لهؤلاء المسلمين في المغارات والجبال في نيبال؟

* نُشر في جريدة المسلمون الدولية