بالرغم من الحملة الإسرائيلية الإعلامية طويلة الأمد بأن يهود اليمن «يحترقون» من أجل الهجرة لإسرائيل وأنهم كانوا يعانون من الاضطهاد بسبب منع الحكومة اليمنية لهم من السفر خارج اليمن، تقول الحقائق أن عددا كبيرا من يهود اليمن لم يتجهوا _ بعد إلغاء حظر السفر عليهم _ إلى إسرائيل، بل إلى لندن أو نيويورك، والسبب اعتقادهم أن الدولة اليهودية، إسرائيل، هي فكرة مضادة لأصول الديانة اليهودية.
هذا الاعتقاد خلفه حملة ضخمة قامت بها مجموعة «ساتمار هاسيديم»، وهي منظمة يهودية نشأت في القرن الثامن عشر الميلادي برومانيا، وتقف هذه المنظمة في مواجهة «الصهيونية» كفلسفة وحركة على أساس إيمانها بأنه من «الكفر» أن يكون لدى اليهود دولة يهودية مستقلة قبل أن يأتي المسيح، إلى الأرض، ويرشد اليهود لما ينبغي عليه فعله، الأمر الذي تجد هذه الحركة الكثير من النصوص في التوراة التي تؤيده.
تضم حركة «ساتمار» حاليا حوالي 250 ألف عضو، ويقع مركز الحركة بمدينة «نيويورك» في انعزال كبير عن المجتمع الأمريكي لحماية أفرادها من الكثير من مظاهر الحياة في المجتمع الأمريكي الذي تعتقد «ساتمار»، أنها مخالفة للديانة اليهودية.
منذ بداية الثمانينات الميلادية، قامت «ساتمار» بإرسال ممثلين لها إلى اليمن في حملة نادرة من نوعها لتشجيع اليهود هناك على عدم الهجرة لإسرائيل، الأمر الذي يبدو أنه ترك أثرا واسعا بينهم.
حملة هذه المنظمة انكشفت بعض المعلومات عنها بعد أن أعلن اليهودي اليمني موشي حباني، 45 عاما، انفصاله عن «ساتمار» وانتقاله من لندن حيث كان يعيش إلى ريهوفوت بإسرائيل، حيث يتجمع معظم المهاجرين من اليهود اليمنيين.
موشي حباني، والذي مازال يلبس الملابس اليمنية التقليدية المعروفة ويتأطر خنجره التقليدي شأنه شأن كثير من اليهود اليمنيين في إسرائيل، قال بأن «ساتمار» كانت تقول لهم عندما كانوا في اليمن أن من يهاجر إلى إسرائيل يفقد ديانته اليهودية.
في اليمن، كان هناك 60,000 يهوديا يمنيا، هاجر عدد كبير منهم جوا عام 1948 في حملة إسرائيلية سريعة وضخمة.
هؤلاء الذين وصلوا في ذلك الوقت عانوا بشكل واضح من عنصرية اليهود الأوروبيين ضدهم ومن الفقر، ونشر بعض اليهود اليمنيين في إسرائيل وثائق تؤكد أن مئات الأطفال اليمنيين خطفوا من أسرهم في ذلك الوقت ليباعوا للأسر اليهودية الأوروبية في إسرائيل.
بعد هذه الحملة، بقي تقريبا في اليمن حوالي 1000 يهودي يمني، حسب الإحصائيات الإسرائيلية، وكانوا هؤلاء ممنوعين من السفر تماما خارج اليمن حتى عام 1993، حين رفع هذا الحظر عليهم.
هذه الاحصائيات، تقول أنه من هؤلاء الـ1000 بقي حتى الآن حوالي 250 يهوديا يمنيا رفضوا السفر لإسرائيل بسبب حملة «ساتمار» بينهم، كما أن عددا كبيرا من المسافرين سافروا في الحقيقة للندن ونيويورك ليقيموا في الأحياء الخاصة بمجموعة «ساتمار هاسيديم».
إدارة الهجرة الإسرائيلية تعتقد أن «ساتمار» نجحت في حملتها بشكل ملحوظ في اليمن بسبب أن المجموعة اليهودية الموجودة في اليمن «غير متعلمة ولذا سهل إقناعهم»، وبسبب دعم الحكومة اليمنية «المعادية لإسرائيل»، وبسبب أن «ساتمار» ركزت خاصة على يهود اليمن أكثر من تركيزها على اليهود الآخرين لاعتقادهم أن هؤلاء من المجموعات الأصلية التي استقرت في اليمن منذ ما قبل الميلاد، ومازال الكثير منهم يتمسك بأصل الديانة اليهودية بعكس يهود الاتحاد السوفيتي مثلا الذين يعتبر معظمهم علمانيين.
لكن الحقيقة أن «ساتمار» استفادت كثيرا من الأحداث العنصرية المسجلة ضد اليهود اليمنيين المقيمين في إسرائيل، ولكونها تربط مذهبها بنصوص التوراة مباشرة بعيدا عن الدوافع السياسية، الأمر الذي كان مقنعا بالفعل للكثيرين.
«ساتمار» كانت تعرض أيضا على كل من يريد من اليهود اليمنيين تسهيلات قانونية للإقامة في بريطانيا أو الولايات المتحدة مع منزل وأكل وتعليم وعلاج مجاني بالكامل في حالة إقامتهم في أحياء يهود «ساتمار» بلندن أو نيويورك.
الأطفال في تلك الأحياء يذهب عدد كبير منهم لمدارس دينية داخلية يقيمون فيها معظم أيام الأسبوع بعيدا عن أهلهم.
حباني، يدعي أن هذا صاحبه الكثير من التحكم أيضا.
يقول بأنه عندما وصل للندن أخذت منه زعامة «ساتمار» هناك جواز سفره، ورفضت القيادة إعطائه جوازه عندما أخبرهم بقراره بالهجرة لإسرائيل، إلى أن أجرى معاملة «بدل ضائع» ليحصل على جواز بديل من السفارة اليمنية بلندن.
* نُشر في جريدة المسلمون الدولية