المهاجرون الصوماليون هربوا من آلام المخيمات لخطر فقدان الهوية

من قسم منوعات
الأربعاء 22 أكتوبر 1997|

ودع محمد شريف، والده، هناك في أحد المخيمات على الحدود الصومالية الكينية، بعد أن اجتاز اختبارات صحية ومعرفية بسيطة لينضم لحوالي 1000 شخص اختارتهم بعثة من الأمم المتحدة كلاجئين إنسانيين في الولايات المتحدة الأمريكية.

في عام 1996، منحت الولايات المتحدة اللجوء الإنساني عشرات الآلاف من الهاربين من جحيم الحرب في بلادهم.

معظم هؤلاء كانوا من البوسنة والصومال والأكراد وليبيريا ومن الفيتنام وجنوب السودان. رحل هؤلاء بطائرات أمريكية _ عسكرية غالبا _ لجزيرة جوام حيث، تم منحهم دورات قصيرة تؤهلهم مبدئيا لفهم القانون الأمريكي وطبيعة الحياة هناك وشيئا عن الثقافة الأمريكية واللغة الإنجليزية.

الأحلام كانت تراود الجميع بحياة أفضل في أمريكا، إلا أنه منذ أن تهبط قدم أحدهم من سلالم الطائرة في واحد من الولايات التي تم توزيع هؤلاء المهاجرين الجدد عليها حتى تبدأ مصاعب قاسية تتكشف لهم.

«لا أستطيع أن أجد عملا»، كانت شكوى مشتركة لمجموعة من اللاجئين الصوماليين الذين اجتمعت بهم في مدينة كانساس سيتي، في الوسط الأمريكي.

بينما المنافسة عالية في كل أماكن العمل، بما فيها المطاعم ومحطات البنزين، في المدينة على الأفضل والأكثر خبرة وتعليما، جاء هؤلاء من الصومال بلا لغة ولا شهادات ولا خبرة، أو على الأقل وثائق تثبت هذه الخبرة، ليجدوا أنفسهم وسط حياة قاسية لا ترحم أبدا.

معظم هؤلاء جاءوا ومعهم عائلاتهم وأولادهم، وبالرغم أن هؤلاء الأولاد قد عاشوا سنوات في المخيمات في حياة بسيطة جدا، إلا أن الإعلانات الأمريكية التي تحاصرهم في كل مكان وما يرونه مع أقرانهم في المدرسة جعلت العبء يزيد على الآباء في توفير شئ من العيش الشريف لأبنائهم.

كانوا جميعا كمن جاء به القدر تحت شجرة مليئة بالثمار، إلا أن ظروفهم لم تسمح لهم بالتقاط شئ منها إلا الحسرة والألم.

استمع لمحمد صلاح الدين، يروي حزينا بأنه إلى الآن لم يجد عملا.

لقد قضى 3 أشهر في مركز اللاجئين الذي قال له بعد ذلك أن عليه أن ينطلق وأسرته ليعتمد على نفسه.

قلت لهم لقد فعلت المستحيل لأجد عملا ولم أستطع، هل تعرف بما أجابني الموظف، قال لي «هذه هي أمريكا».

طه شريف، أسعد حظا من محمد، فقد وجد عملا كغسال صحون في أحد المطاعم الأمريكية بمرتب حوالي 600 دولار شهريا، إلا أن طه، يذكر بأن هذا المرتب لا يمكن أن يكفي بحال لأبسط معيشة ممكنه له ولأسرته، ولذا فهو مازال يبحث عن عمل آخر يعضد به عمله الأول.

خالد حسن، قال لي بأنه بعد بحث طويل وجد عملا في ملهى ليلي.

«أخبرت المدير أنني مسلم، ولذا فلا أستطيع تقديم الخمور للزبائن»، ضحك المدير وطردني من العمل، وبعد حوالي 20 يوما من البحث عن عمل عدت إليه فعرض علي العمل كمنظف للأرض، وبالفعل؛ فهذا عملي منذ ذلك الحين، ولكن البعض أخبرني أنه بعد 6 أشهر من العمل تصبح لدي خبرة كافية يمكن لي بها أن أتوظف في محطة بنزين براتب أفضل وعمل «حلال».

طه، يقسم مرارا لو عنده ثمن التذاكر له ولأولاده لعاد للصومال حالا وبلا تردد.

د. سالم، هو أفضل الجميع حظا، فهو يحمل شهادة الدكتوراه في مجال التعليم من أثيوبيا، عرض سالم، شهادته في كل مكان، إلا أن عمله الآن في محطة بنزين، ومراسل في شركة كخارج دوام.

المشكلة لا تقتصر على العمل، بل تتجاوز ذلك بكثير.

أولا، بما أن دخل هؤلاء بسيط جدا فهم يضرون للسكن في مناطق رخيصة داخل المدينة.

هذه المناطق دائما في المدن الأمريكية مليئة بالجرائم والمخدرات وملاحقات الشرطة والأمراض والعصابات بالإضافة للخدمات السيئة، مما يجعل حياتهم وحياة أبنائهم في خطر يومي دائم.

أحد الصوماليين المهاجرين الجدد واسمه حسن أحمد، خرج من شقته في أحد الأحياء الداخلية في كانساس سيتي، في أيامه الأولى هناك.

أحد السكان من الأمريكيين السود حياه بطريقة معينة فلم يجب حسن، عليه لعدم معرفته باللغة الإنجليزية.

هذا الشخص، حسب تحليل أصدقائه، ربما ينتمي لأحد العصابات وظن أن حسن، ينتمي لعصابة غيرها، ولذلك فقد شتم حسن، غاضبا، وفي الليل جاء ومعه مجموعة ضربوا حسن، وانتهى الشجار بطلقة من مسدس أحدهم أردته قتيلا بينما زوجته تنظر من الشباك.

إلا أن ذلك كله ليس مهما في نظر محمد شريف، الذي ترك المخيم وجاء ليعمل كمترجم في مركز اللاجئين في كانساس سيتي، كل هذه صعوبات مؤقتة سيتغلب عليها هؤلاء المهاجرون قريبا، المشكلة الكبرى هي «الأطفال والمراهقين».

يقول محمد: «أطفالنا وشبابنا الصغار يذهبون للمدارس الأمريكية ليتلقوا كل السلوكيات المخالفة للإسلام، المخدرات، العلاقات الجنسية، التعامل السئ مع الوالدين، حب الموسيقى والحفلات الأمريكية، الجرائم، الخ».

ليس ذلك فقط حسب ما يقول شريف، بل إن الأسوأ أن أحدا منهم لا يتعلم شيئا عن دينه، عن القرآن والصلاة فضلا عن لغته.

لماذا لا تأخذونهم لمدارس إسلامية؟

أجاب يذكرني: «المدارس الإسلامية غالية جدا بالنسبة لهم وليس لديها مواصلات كما لدى المدارس العامة».

يضيف، أحد المدرسين الفلسطينيين أقام درسا في منزله في عطلة الأسبوع للأطفال، لكن معظم الأطفال يرفضون الذهاب لأنهم تعبون من الدراسة طوال الأسبوع.

بعضنا يحفظ القرآن، ونحاول تعليم أطفالنا، لكن ليس لدينا مكان مناسب ولا كتب.

النساء أيضا مصدر قلق لمحمد شريف. يقول النساء لا يستطيعون الحصول على عمل حتى تخلع الحجاب في الغالب، ويوما بعد يوم تؤمن بنمط حياة المرأة الأمريكية.

محمد شريف، يقول بأنه بينما كانوا يتساءلون في أنفسهم لماذا فعلت الدول الغربية ذلك وأخذتهم من المخيمات رغم جهلهم، وجدوا الجواب، حسب رأيه، في أولئك الواقفين على أبواب الطائرة في استقبالهم من رجال الكنائس.

«لقد نمت لدينا حساسية شديدة منذ أيام المخيمات ضد المتطوعين من الكنائس الذين كانوا يأتون ليقدمون لنا الطعام مقابل تغيير ديننا، لقد كنا 100,000 شخص في مخيم أوتانجا، على الحدود الكينية، كان لدينا 6 مساجد، كل نساءنا تلبس الحجاب رغم الحر الشديد، لقد كرهتنا الجمعيات التنصيرية حينها وتوقفوا عن زيارتنا، والآن أتوا بنا لأمريكا حتى ينصروا جزءا من الشعب الصومالي؟»، هذا ما يقوله محمد شريف.

وهذا الكلام قد لا يكون دقيقا، إلا أنه أثار حساسية حقيقية دفعت بالجيش الأمريكي لتعيين أئمة مسلمين من الجيش كان أولهم الإمام منجي نويل، في آخر العام الماضي، الخطوة التي كانت محل ثناء العديد من الجهات الإسلامية وخاصة المجلس الإسلامي الأمريكي، حيث صرح مديره التنفيذي د. عبدالرحمن العمودي، أن مثل ذلك استفادة إيجابية من الطاقات الإسلامية في الجيش.

عدد كبير من المهاجرين الصوماليين نقلوا لمدينة سيدر رابيدس بولاية أيوا، وذلك حسب تصريح مسئول مركز اللاجئين القسيس ناه شريدر، لوجود مسجدين في المدينة، أحدهما هو الأول في تاريخ أمريكا على الإطلاق، وجالية إسلامية متعاونة مع المركز.

قبل أن أغادر مركز اللاجئين في كانساس سيتي، التقيت بعمر صالح سعيد، 39 عاما، لاجئ عراقي جاء منذ أيام من جزر جوام بعد خمس سنوات في مخيم رفحا بالسعودية كانت محطة استراحة _ حسب قوله _ من 15 عاما من العناء داخل العراق.

عمر، هرب من العراق مع أسرته بالكامل مشيا على قدميه لمدة 15 يوما قطعوا فيها 250 كيلومتر حتى وصلوا الحدود السعودية حيث حصلوا على مأوى في مخيمات رفحا.

عمر، حصل على موافقة للجوء لأمريكا، يعيش في مركز اللاجئين مؤقتا على مرتب 250 دولار شهريا في غرفة تسع له ولزوجته التي ماتزال تلبس حجابها الكامل وأولاده العشرة الذين التحقوا بالمدارس مباشرة.

عمر، يقول أن أمريكا فيها الكثير من الأعمال، هي بلد غني والحياة فيها سهلة.

عمر، لا يخاف على أولاده لأنها بلد حر كل يمارس فيها دينه الذي يريد، ترى إلى متى يحتفظ عمر سعيد، بهذا الوجه الأبيض المتفائل؟

* نُشر في جريدة المسلمون الدولية