الاستثمار العربي والإسلامي في أمريكا الشمالية

من قسم إدارة وأعمال
الثلاثاء 23 سبتمبر 1997|

تتفاوت تقديرات حجم الاستثمار العربي والإسلامي في أمريكا الشمالية، فهناك مستثمرون عرب مستوطنون في أمريكا ويعملون في أمريكا من خلال مكاتب تابعة لهم وزيارات سريعة، وهم حسب تقدير بعض رجال الأعمال ذوي عدد قليل نسبيا ولكنهم يستثمرون في الأسواق المالية برأس مال ضخم جدا.

بالمقابل؛ فهناك عدد لا بأس به من المستثمرين العرب والمسلمين من سكان الولايات المتحدة، إلا أن رؤوس أموالهم في العادة صغيرة مقارنة بحركة الأموال في الأسواق المالية الأمريكية، ومثل هذا التفاوت يجعل معرفة حجم الاستثمار صعبة وتحمل آراء شديدة التفاوت من متفائل بمشاركة ضخمة في السوق إلى متشائم بانعدام وزن رأس المال العربي والإسلامي في السوق.

كما أن رجال الأعمال الماليزيين يزيدون الحالة ارتباكا، فهناك رؤوس أموال هائلة ماليزية في السوق المالية الأمريكية، وجزء لا بأس به من هذه الأموال ينتسب لمسلمين، إلا أن قطاعا كبيرا منها ينتسب لماليزيين غير مسلمين، الأمر الذي لا يمكن تحديده من مجرد قراءة إحصاءات السوق المالية الأمريكية.

الغريب أن هذا الاستثمار يأتي مع وجود العديد من الصعوبات التي تواجه رجال الأعمال العرب والمسلمين في السوق الأمريكية.

في ندوة أقامتها مؤخرا «اللجنة العربية الأمريكية ضد العنصرية»، حول «العرب الأمريكيين وتحديات الاستثمار»، قال بيتر تانيوس، رئيس مجلس الاستشاريين لشركة «لينكس» للاستثمار، ومن أصل عربي، بأن نجاح عدد من الشركات التي يملكها عرب أمريكيون لا يعني عدم وجود «تاريخ من العنصرية» والذي أثر على رجال الأعمال من أصل عربي.

بيتر، حكى تجربة شخصية حصلت في الفترة الأخيرة لشركته عندما خسرت الشركة أحد العقود لأن عملائه لم يكونوا «مرتاحين» لوجود عدد من الأسماء العربية في مجلس إدارة شركة «لينكس».

ويفرق بيتر، بين الجيل الثاني والثالث من العرب الأمريكيين الذي اندمج مع الثقافة الأمريكية وبين المهاجرين الجدد الذين تشتد معاناتهم مقارنة بغيرهم.

بيتر، يدعو لتأسيس شبكة للعمل التجاري بين العرب الأمريكيين، بحيث تتم الاستفادة القصوى داخل الجالية مذكرا بأن الشبكة لا تعني الاعتماد عليها فالاستمرار والتفوق سيكون للأفضل تجاريا.

هذا الرأي كانت له معارضة داخل الندوة من وليد علي، رئيس شركة MBI الإعلامية، الذي جاء من الضفة الغربية وعمره 16 عاما وقرر أن يدخل المجال الإعلامي الترفيهي وأصبح بحلول عام 1987 واحد من أبرز رجال الأعمال في هذا المجال.

وليد علي، أكد وجود تشويه رهيب للثقافة العربية في الإعلام الأمريكي، ولكن هذا لم يقف في طريقه في الصعود السريع في عالم الأعمال، مشيرا بأنه يوجد لدينا ميل دائم للشعور بأننا ضحايا مؤامرة.

طلال أبوغزالة، صاحب إحدى أكبر شركات المحاسبة المالية في العالم العربي عموما وفي السعودية خصوصا، وأحد المستثمرين في أمريكا، تحدث عن العلاقات التجارية بين العالم العربي والولايات المتحدة الأمريكية، والتي قال بأنها «غير متعادلة».

بينما حجم التصدير من أمريكا للعالم العربي بدوله كلها يبلغ حوالي 14 مليار دولار، فإن حجم التصدير لإسرائيل وحدها يصل حوالي 7.5 مليار دولار، حسب إحصائيات وزارة التجارة الأمريكية، مما يعني عدم التعامل مع حجم كبير من السوق العربي.

أبوغزالة، يقول بأن السبب هو الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل، والتي يجعلها تخسر 30 مليار دولار كل عام من الفرص المحتملة في السوق العربية، مشيرا أنه في نفس الوقت تعاني الكثير من الدول العربية من مشكلات عميقة من مواكبتها للنمو والتطور مما يلجأ العديد من رجال الأعمال الأمريكيين للهرب من السوق العربية.

ويقترح أبوغزالة، بأن تجاوز هذه المشكلة لن يكون إلا بسوق عربية مشتركة ومفتوحة، حيث أنه حتى لو تأسست علاقات تجارية للعالم العربي مع إسرائيل فإن الفرص التجارية العربية ستكون صغيرة في السوق الإسرائيلي.

محمد سالم، جاء من مصر من 15 عاما وأسس واحدة من أكبر شركات التجهيزات المكتبية بولاية أوهايو الأمريكية، يقول بأنه يواجه حالات تكاد تكون يومية من التمييز العنصري ضده من زبائن محتملين، وظهر هذا واضحا في دعوى قضائية رفعها أحدهم ضد شركته لكونها لم تسدد له ثمن بضاعة في وقتها وكانت حجته في المحكمة لكونه لم يمهل سالم، ولا يوم واحد أنه يعرف أنه عربي وربما كان يريد السفر والهرب دون دفع المال.

كما أن هذا حال بينه وبين الحصول على العديد من العقود مع شركات كبيرة كانت تستاء من كون اسمه «محمد»، مما جعله عدة مرات يفكر في تغيير اسمه كما يفعل معظم رجال الأعمال العرب والمسلمين في أمريكا الذين يتخذون لأنفسهم أسماء أمريكية في التعامل التجاري بدلا من أسمائهم العربية والإسلامية.

لكن سالم، يقول أن عالم الأعمال يبقى مليئا بأولئك الذين يتعاملون معه دون النظر لاسمه أو أصله، وهو عرف كيف يجذب هؤلاء الزبائن جيدا وهذا سبب نموه السريع والمتفوق.

سالم، يقول أنه بالرغم من كل الصعوبات التي يواجهها العرب والمسلمون في السوق الأمريكية إلا أنها تبقى سوقا جذابة نظرا لضخامتها، فهناك عدد هائل من السكان ذوي الدخل المرتفع والقدرة الشرائية العالية بالإضافة لكونها مركز عالمي لتجمع الشركات من كل أنحاء العالم، وسبب ذلك يعود بالطبع، حسب ما يقول سالم، لاستقرار السوق الأمريكية واستقرار القوانين الأمريكية وكونها مفتوحة بلا أي عقبات تذكر في وجه رجال الأعمال الأجانب خلافا للعديد من الأسواق الأوروبية والعربية والآسيوية.

خالد السوي، أحد المهاجرين الجدد لأمريكا ومن أصل ليبي، يقول أنه يعتقد أن أهم عقبة تواجه رجال الأعمال العرب والمسلمين في سوق الأعمال الأمريكية هي فهم قوانين الاستثمار والتعاملات المالية والضرائب الأمريكية «شديدة التعقيد والتداخل» والتي ربما يؤدي خطأ بسيط في فهمها لمخالفات قانونية تأتي على العمل التجاري كله، وهذا يضطر رجال الأعمال العرب والمسلمين القادمين من الخارج لتعيين مستشارين برواتب ضخمة، أما أولئك المهاجرين أو الجدد في عالم التجارة والذين لا يملكون مثل هذا المال لدفعه للمستشارين فإن الوقت يستهلكهم لفهم هذه القوانين بالإضافة أن السوق المالية الأمريكية التي يعمل فيها السوي لا يكفي فقط فهم قواعدها القانونية فالسوق لها العديد من الأصول الاجتماعية والخفية في التعامل وهي شديدة الدقة والتعقيد ولا يعرفها إلا أبناء السوق، وهذا ما يميز التجار اليهود الذين يعلمون بعضهم هذه القوانين ويقدمونها هدية مجانية لجددهم، والواقع أن فهم بعض ثغرات السوق المالية لكسب الملايين السهلة، ويسمح لرجل الأعمال الأمريكي اليهودي سوروس، أن يعطي ضربات سهلة للاقتصاد الماليزي في الأسواق المالية من خلال فهمه لهذه الثغرات التي في كثير من الأحيان لا يفهمها التجار العرب والمسلمين وتفوت عليهم الكثير من الفرص الهامة.

أيضا؛ يقول خالد، في السوق الأمريكي تلعب العلاقات الاجتماعية دورا هاما جدا، وحين ترى تحالفات التجار اليهود، والإيطاليين، والصينيين، واليابانيين، والأسبان، والمكسيكيين، والألمان، فإن العلاقات بين رجال الأعمال العرب والمسلمين، باستثناء الماليزيين، ضعيفة جدا بل إن عدم الثقة ببعضهم تسود أوساطهم، حسب قول خالد السوي.

بقي أن نشير لأحد رجال الأعمال العرب والذي يملك تعاملات ضخمة في أمريكا وفي عدد من دول العالم العربي، والذي أكد أن العالم العربي يزداد فهمه يوما بعد يوم لأهمية الانفتاح التجاري ووجود قوانين قوية تحمي العمل التجاري، ولولا العديد من الثغرات في بعض الأنظمة السياسية لكان هذا الفهم قد أدى لنتائج عملية جيدة جدا، ويشير أنه خلال تعاملاته داخل دول العالم العربي واجه صعوبات لا تصدق ولا يفهم لها سببا، ولم يمكن حلها إلا بالرشاوي أو بعض العلاقات المتنفذة، ولولا إيمانه بأن الاستمرار في السوق مهم لنجاحه لكان انسحب من السوق العربي منذ زمن طويل.

مع كل هذا علينا أن نتذكر أن القرن القادم ستتكسر فيه العديد من العقبات التجارية فمن خلال شبكة الإنترنت يمكن الأن لأي مشترك لديه بطاقة ائتمان أن يدخل على السوق المالية في نيويورك، وربما كل الأسواق المالية في المستقبل، من خلال جهاز كمبيوتره في أي مكان في العالم أن يشتري أي حجم من الأسهم ويبيعه بمجرد ضغط بضعة أزرار.

توجد حاليا على الإنترنت تجارة ذات رأسمال عالي يتجاوز المليار، ولأن الولايات المتحدة، مركز شبكة الإنترنت، جعلت كل التعاملات التجارية على الشبكة معفية من الضرائب فقد زاد هذا من حجم التعامل التجاري.

كل ما يلزمك لتصبح تاجرا الآن هو جهاز كمبيوتر ومودم وفكرة ذكية بعيدا عن قوانين العالم كله.

* نُشر في جريدة المسلمون الدولية