لا أحد يعرف النتائج السلبية بالنسبة للمسلمين التي يمكن أن تنتج عن نظام «التشخيص» الجديد الذي سيوزع على المطارات الأمريكية بهدف حماية أمن الركاب من خلال التوصيات الصادرة عن لجنة البيت الأبيض الأمريكي لأمن وسلامة الطيران والتي كونت بعد انفجار طائرة TWA 800، في 17 يوليو العام الماضي، وكان سبب انفجارها على الغالب تقنيا.
ونظام التشخيص هذا يشمل مجموعة من القواعد «السرية» التي تحدد الركاب الذين يحتمل أن يشكلوا تهديدا أمنيا، وبالتالي معاملتهم معاملة خاصة تشمل تفتيشهم الكامل، والمشكلة الحقيقية تأتي أن الحوادث التي تلت تعميم القرار على شركة محلية واحدة فقط لاختبار مدى فاعليته تثبت بلاشك أن المسلمين والعرب بالذات مستهدفين بشكل أساسي من خلال هذا التشخيص.
ففي عشرات الحالات معظمها على رحلات دولية تعرض مسلمون وعرب أمريكيون للإهانة بسبب شكلهم أو أسمائهم أو مدن ولادتهم أو حتى الدول المتجهين إليها، وشمل ذلك عزلهم عن باقي الركاب والتحقيق معهم وتفتيشهم الجسدي وتفتيش شنطهم ونفش محتوياتها أمام الجمهور، ولم يسلم من تلك الإجراءات غير المعتادة في المطارات الأمريكية والمخالفة للدستور الأمريكي كبار السن وحتى الأسر المسافرة بصحبة أطفالها أحيانا.
سبب هذه الإجراءات قد يكون أحيانا فقط أن النساء في الأسرة يلبسن الحجاب، كما حدث لطبيب أعصاب بارز يعمل في مستشفى مرموق بأمريكا، أو لنساء مسلمات أمريكيات من أصل أوروبي.
أما المسافرون للدول المسجلة على قائمة الدول الراعية للإرهاب فهم أتوماتكيا يتعرضون لمثل هذه الإجراءات بشكل مكثف.
مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية CAIR، بذل جهودا مركزة لتحجيم الآثار السلبية لنظام «التشخيص» شملت انضمام رئيس المجلس التنفيذي، نهاد عوض، لهيئة الحريات المدنية الاستشارية للجنة البيت الأبيض والتي تمثل الجهات المتخوفة من تأثير مثل هذا القرار على الحريات المدنية وحقوق الإنسان بأمريكا.
في اجتماع اللجنة الأخير مع ممثلين من وزارة العدل، ووزارة المواصلات، وإدارة الطيران الفدرالية، عرض نهاد عوض، عشرات الحالات المسجلة لدى CAIR، تعرض فيها أفراد من الجاليتين الإسلامية والعربية بأمريكا للمعاملة العنصرية بسبب نظام «التشخيص».
يقول نهاد عوض، بأنه ركز في عرضه على الحالات التي شملت تجاوزا ملحوظا، وقلت لهم أن مثل هذا النظام يحصر التهمة في أجناس معينة على أساس ضيق من الفهم والتسامح، ويترك الباب مفتوحا على مصراعيه للباقين، وهذا بالطبع لا يمنع وقوع الأحداث الإرهابية، إلا أن لجنة البيت الأبيض لا تبدي حتى الآن اقتناعا بمطالب CAIR، وتنفي وجود أي قواعد مبنية على التمييز العنصري.
ويؤكد نهاد عوض، أن هذا النظام بحد ذاته دليل على وجود ضعف في النظام الأمني الذي لم يجد ما يرضي به الجمهور إلا على حساب الأقليات.
من الجهود الأخرى التي ستبذلها CAIR، في الفترة القريبة حسب تصريح نهاد عوض، تدشين حملة في المطارات لإعلان حقوق المسلم المسافر تشمل إداريي وموظفي شركات الطيران، وعقد مؤتمرات صحفية بما في ذلك الاتصال بالجهات الإعلامية حتى يأتوا ليعاينوا طبيعة المضايقات بأنفسهم وإعطاء المسافرين كروتا توضح الخطوات التي يجب عليهم اتباعها في مثل هذه الحالات وتشمل أخذ أسماء الأشخاص الذي قاموا بإهانتهم والاتصال مباشرة بـCAIR، لتبليغهم عن المضايقات التي تعرضوا لها وتوثيقها حتى يمكن عرضها على لجنة البيت الأبيض.
كما طالب نهاد عوض، الدول العربية والإسلامية التدخل لصالح رعايها، إذ من المحتمل أن للقرار أبعادا سياسية يقصد بها إحراج بعض الدول بالضغط على مواطنيها.
وقد تتخذ CAIR، خطوات قانونية في المستقبل لمواجهة القرار إذا ثبت أنه فعلا مازال يطبق بالشكل العنصري الحالي.
ولعل أول الخطوات في هذه الطريق الدعوى التي رفعها المواطن العربي الأمريكي حسان عباس، ضد خطوط US Airways، الشهر الماضي، بعد تعرضه لتفتيش مهين في مطار كليفلاند الدولي بولاية أوهايو الأمريكية، على أساس أن ذلك تم فقط بسبب أصله العربي.
وبالمقابل؛ تبذل اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة العنصرية، بعض الجهود الإعلامية في هذا المجال.
وصرحت هالة مقصود، رئيسة اللجنة، أن الحل الحقيقي لمشكلة الإرهاب هو وضع الأجهزة التقنية الكاشفة للتفجير، وعدم السماح بوجود عفش على الطائرة بدون وجود أصحابه على نفس الطائرة.
هويدا سعد، مسئولة اللجنة للخدمات القانونية، قالت بأن اللجنة حصلت على الدليل الأمني السري من خلال موظفين في شركات الطيران محبطين بسبب أسلوب الدليل، ويحتوي الدليل على الأسئلة التالية التي تجعل الراكب محل التهمة والتفتيش المهين:
- هل هناك طوابع من دول عربية على جواز السفر؟
- هل الراكب يحمل جواز سفر من دولة عربية؟
- هل الراكب له اسم عربي أو ولد في دولة عربية؟
إلا أنه يبدو أن المعايير أكثر تعقيدا من ذلك، لأن هذا يعني أن آلاف الناس كانوا سيتعرضون للتفتيش بينما الأمر أقل من ذلك في الحقيقة.
والنظام الآن في مرحلة تجريبية منذ شهر أبريل الماضي، حيث يتم تطبيقه بشكل أساسي على خطوط South West الأمريكية، وسيتم تعميمه في حال نجاحه في آخر العام القادم، ويشمل القرار حوالي 50 أسلوبا لتحسين أمن وسلامة الطائرات.
هيئة الحريات المدنية الاستشارية، تقدمت في مطلع شهر فبراير الماضي بتوصيات ضمن بعضها في التقرير المرفوع للرئيس الأمريكي، والتي أشارت أن النظام الجديد يجب ألا يبنى على أساس الدين أو العرق أو الأصل بالنسبة للمواطنيين الأمريكيين والذي يعرف من مكان الولادة، بل على أساس احتمال فعلي للخطر غير مرتبط بتعميمات أو صور ذهنية شائعة، وأن المسافرين يجب أن يبلغوا قبل التفتيش بحقهم برفض التفتيش وعدم السفر، وأن هذا النظام يجب أن يتوقف تماما بمجرد نشر أجهزة رصد التفجير المتطورة.
متحدث رسمي باسم وزارة العدل الأمريكية، قال بأن مراجعة كاملة تمت للنظام للتأكد من كونه غير مبني على تفرقة عنصرية، إلا أن CAIR، ردت بتفاؤل حذر على البيان مصرحة أن خير دليل على ذلك لابد أن يكون توقف عمليات الإهانة الخاصة التي يتعرض لها الركاب المسلمون والعرب في المطارات الأمريكية.
وكان وفد ممثل لـCAIR، واللجنة العربية الأمريكية لمكافحة العنصرية، قد التقى بوزير المواصلات قبل صدور البيان مباشرة، وطلب الوفد من الوزير إصدار بيان يؤكد فيه الحفاظ على حقوق الركاب المسلمين والعرب أثناء سفرهم، إلا أن الوزير لم يستجب حتى الآن للطلب.
CAIR، تلقت قبل انفجار الطائرة TWA، خمس شكاوى من تفتيش غير قانوني في المطارات بسبب المظهر الإسلامي أو الإسم، وهذه الحالات فردية ولا علاقة لها بنظام «التشخيص» الحالي.
ويعتقد كثيرون أن التغطية الإعلامية الأمريكية «الانحيازية» لانفجار الطائرة والتي حصل فيها ربط متوسع من قبل المحللين الإخباريين بين الانفجار والمسلمين وتعميق الاعتقاد بأن الحادث ناتج عن «إرهاب إسلامي» كان له الدور في حصول مثل هذا الانحياز غير المسبوق ضد الجالية الإسلامية والعربية، الأمر الذي قد لا يلقى معارضة كبيرة من الشعب الأمريكي الذي يتعرض لمثل هذه الرسائل الإخبارية العنصرية يوميا.
في دراسة موسعة أصدرتها CAIR، ثبت أن وكالات الأنباء العالمية الثلاث وحدها، رويتر وأسوشياتد برس ويونيتد برس، أصدرت 138 تقريرا بعد الحادث تضمن ربطا للمسلمين بالانفجار.
محطة IBS الأمريكية المعروفة، أشارت في نشرتها الإخبارية أن المحطة وجريدة «الحياة» في لندن تلقتا فاكس تهديد من مجموعة إرهاب إسلامية في صباح يوم الانفجار، ورغم أن البيت الأبيض نفى أن يكون لهذا التقرير أي مصداقية لوجود عدة علامات تثبت على تزويره “وجود كلمات من عدة لهجات وأخطاء في الصياغة واستعمال آيات قرآنية بشكل غير صحيح”، إلا أن وسائل الإعلام الأمريكي _ ماعدا جريدة الواشنطن بوست _ تجاهلت تماما هذا النفي وطارت بالخبر، وزاد الطين بلة ادعاء محطة تلفزيونية محلية بمدينة تامبا بولاية فلوريدا، والمعروفة بجاليتها الفلسطينية الضخمة، أنها تلقت اتصالا مجهولا من شخص يدعي أن من مجموعة اسمها جهاد، مسئولة عن تفجير الطائرة.
أحد الصحف الواسعة الانتشار الصادرة في ولاية تكساس، اتهمت الجالية الإسلامية بأنهم طابور خامس في الدولة والذي لا يجب فقط إبعاده بل وعقابه، الأمر الذي دفع بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون، بإذاعة رجاء للإعلام الأمريكي بعدم التعجل بالوصول لنتائج وأحكام لم تثبت عبر التحقيق الرسمي بعد.
التقرير الصادر عن CAIR، حمل اسم «المتهم المعتاد»، وهو مصطلح أمريكي يطلق على أولئك الذين يسارع رجال الشرطة الكسولين أو السيئين بالقبض عليهم كلما سمعوا بجريمة في المنطقة، كما يحدث كثيرا مع بعض سجناء سابقين أو مشتبهين، والذي يبدو أنه يحدث بالفعل للمسلمين في كل حادث إرهابي في أمريكا.
* نُشر في جريدة المسلمون الدولية