مَن يحمي الناس من «الحقيقة»؟

من قسم شؤون إعلامية
الجمعة 13 يونيو 2008|

أحد أبرز الاعتراضات التي تواجه الصحافيين العرب بشكل مستمر من الجمهور تتمثل في انزعاج البعض من نشر خبر ما، لأن الخبر يضر بشكل أو بآخر بواحدة من القضايا المهمة.

في العالم العربي هناك تقييم مستمر للدوافع والمحفزات التي جعلت صحافيا ما ينشر خبرا بعينه، وكأن الافتراض الأساسي هو أن الصحافي لا ينشر خبرا أو معلومة إلا لأجندة خفية يحملها.

هناك دائما حديث عن الأخبار التي “تشغل الأمة عن أهدافها”، والأخبار التي “تشوه الصورة الناصعة للمجتمع” والأخبار التي “تسيء” إلى جهة معينة، والأخبار التي “تدمر الأخلاق” والأخبار التي تدعم وجهة نظر معينة لا يجوز دعمها.

بالمقابل، هناك مطالبة بنشر الأخبار التي يراها بعض القراء إيجابية وتخدم الأهداف التي يؤمنون بها.

بل إن من الطريف، أنني في إحدى المرات لقيت الاعتراض على خبر منشور من قبل مثقفين يرون فيه إضعافا للمطالبة بحقوق المرأة وتطوير وضعها العام، وفي نفس الوقت، جاء الاعتراض من طرف الذين يحاربون تغيير وضع المرأة، وكلتا الجهتين توافق على أن مضمون الخبر صحيح، ولكن الاعتراض هو على سبب النشر وتوقيته وأثره.

هذا الضغط المستمر على الإعلاميين العرب من قبل الجمهور المهووس بتقييم الآثار قريبة وبعيدة المدى للنشر تجعلهم يشعرون بأنهم بحاجة إلى أجندة يحددون من خلالها أسباب النشر، وينضمون فيها إلى فريق ما من الفرق الضاغطة لصالح أحد الاتجاهات الثقافية والفكرية، ويتخلون فيها عن دورهم الحقيقي كناقلين “موضوعيين” للمعلومة، الذين يفترض فيهم ألا يتدخلوا فيما ينشرون، حتى يكونوا إعلاميين أمناء لا يحرفون المعلومة بناء على أهدافهم ورغباتهم الشخصية.

لكن اندفاع الإعلاميين في العالم العربي لتلبية هذه التوقعات الجماهيرية بممارسة الرقابة على الأخبار، سبّب في الحقيقة ضعفا لمصداقيتها وشكَّاً دائما في دوافع النشر، وينطبق هذا على الأخبار السياسية والمحلية والاجتماعية والدينية والرياضية والاقتصادية وغيرها.

الإعلامي، بطبيعته البشرية، يسره طبعا أن يجد الفرصة لممارسة الرقابة واستغلال القوة الإعلامية في التأثير على الناس، ولكن الغريب أن الجمهور هو الذي يطالب بذلك، دون أن يدرك أنه في اللحظة التي يسمح فيها بالرقابة الذاتية، فإنه يخاطر بأن من يمارس الرقابة قد لا يتفق معه في الرأي أحيانا.

على سبيل المثال، كان “الإسلاميون” يطالبون دائما بمنع نشر معلومات معينة لأنها “تنشر الرذيلة” أو تدعم الآخر، دون أن يأخذوا في الاعتبار أن نشر ثقافة فلترة الأخبار أمر سلبي قد يتولاه يوميا من لا يتفق معهم في الأهداف والمعطيات.

نحن نحتاج إلى إعلام يؤمن بالحقيقة وشفافية النشر للمعلومة الصادقة والرأي الموضوعي بعيدا عن تقييم التأثير.

قد تكون أحد ملايين الناس في العالم العربي الذين يؤمنون بأن الموضوعية مستحيلة، وهذا صحيح، فالقيم لا يمكن تحقيقها بشكل مطلق، لا يمكن أن تكون لديك عدالة مطلقة، أو صدق مطلق، ولكن يمكن أن يكون عندك عدالة نسبية، وموضوعية نسبية، أي أنك تسعى دائما إلى التحسين المستمر على طريق السعي لتحقيق الموضوعية.

لقد عرَّف المتخصصون الموضوعية “تعريفا واقعيا” من خلال ربطها بـ”العدالة” و”الدقة”، وبنوا كل أسس التغطية الصحافية على هذين الأساسين، العدالة بين مختلف الجهات التي يتحدث عنها الخبر بحيث يكون رأي كل جهة ممثلا في الخبر، والدقة في نقل المعلومات، مع ابتعاد الصحافي الكامل “قدر الممكن بشريا ومهنيا” عن وضع رأيه أو عن أخذ اتجاه معين في الصحافة.

أنا أعرف أن هذا التعريف الذي تلتزم به وسائل الإعلام الكبرى _ في معظم الأحيان _ أمر يبدو مثاليا لدرجة السخرية لدى الإعلاميين العرب الذين تكاثرت معسكراتهم الأيديولوجية وتقاطعت خطوط الانحياز لديهم بشكل لم يعد يوجد معه خط عودة.

لكن حتى أولئك القلة الذين يحاولون باستمرار التزام نوع من الموضوعية في عملهم يواجههم الصراخ الجماهيري الذي يطالبهم بالحماية من الحقيقة!.

لقد كنت أظن أن قدوم الإنترنت سيغير طريقة التفكير لدى هؤلاء بعد أن صارت المعلومات متاحة في كل مكان بدون قيود جغرافية أو أيديولوجية، ولكن التفكير الذي يعود لعصر ما قبل الإنترنت ما زال مسيطرا وما زال يؤمن بأن الإعلام يجب أن يقوم بدور التوجيه في اتجاه معين، كل يحدده كيفما اتفق له.

لا شك أن للإعلام رسالة، وأن هناك قيما معينة عامة يجب أن يلتزم بها، وأن هناك أسسا لاختيار ما ينشر وما لا ينشر، ولكنه من الخطأ أن يترك تحديد هذه القيم والأسس لكل إعلامي يختار منها ما يوافق هواه، هذه القيم يجب أن تحددها قوانين الدول والتشريعات العامة والمواثيق المهنية الدقيقة “وليست الفضفاضة التي تبدأ بمادة تطالب الإعلام بمحاربة الصهيونية والامبريالية والاشتراكية والإقطاعية والتطرف وكل ما يمكن محاربته على وجه الأرض”.

في هذه الحالة، لن يتهم أحد الإعلاميين في مصداقيتهم وشرفهم المهني لأنهم يطبقون القوانين، ولن يحدد كل شخص في الوسط الإعلامي كيف يرسم للناس طريق حياتهم وفيمَ سيفكرون بناء على أجندته الفكرية، ولن يحجب البعض معلومات معينة لأنها لا تتناسب مع مزاجهم، حتى لو كانت صحيحة ودقيقة.

لدينا “حارس بوابة” مزاجي يفتقد الخلق والنظام، والجمهور هو السبب!!

* نشر المقال في جريدة الاقتصادية السعودية